تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
الأول هو مستشاره ، ثم يأتي بعد ذلك توارثهم هذا التشاور واحدا بعد واحد . فالذي يصلنا من التاريخ المجهول على لسان الوحي : أن سليمان النبي كان له مستشار حكيم هو الذي أجابه حين طلب منهم أن ينقلوا إليه عرش ملكة سبأ من اليمن إلى البيت المقدس حيث كان سليمان ، كما عبر اللّه عن ذلك بقوله :
قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ
« 1 » هذا مستشار سليمان ، وتسميه قصص الأنبياء ( آصف بن برخيا ) . والنبي موسى بن عمران عليه السّلام كان له مستشار هو أخوه هارون ، إذ ناجى موسى ربه يسأله وزيرا من أهله يشركه في أمره ويشد به أزره . وعيسى عليه السّلام كان له مستشارون هم حواريوه ، إذ شاورهم في أمره وسألهم نصرته على أعدائه . وهكذا نصل إلى نبينا محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فقد كان يستشير أصحابه حين أمره اللّه تعالى بذلك في قوله عز من قائل :
وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ
« 2 » . وقد جمع أصحابه بعد يوم الأحزاب يستشيرهم في ما ذا يصنع باليهود الذين خانوه ونكثوا عهده معهم ، وقد أخرجهم من معاقلهم ، فلما مثلوا بين يديه قال : أين السعود ؟ ؟ فجاءه سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة ، وسعد بن أبي وقاص ، واستشارهم في الناكثين . فقالوا : نقتل رجالهم ونستحيي نساءهم وذراريهم . فقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لقد حكمتم بحكم اللّه فيهم » . ومنها لما نزل ببدر بأدنى ماء هناك ، قال له الحباب بن المنذر : يا رسول اللّه أرأيت هذا المنزل ، أمنزل أنزلكه اللّه تعالى ليس لنا متقدم ولا متأخر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ فقال : بل الرأي والحرب والمكيدة . فقال الحباب : فإن هذا ليس بمنزل ، فانهض يا رسول اللّه بالناس حتى تأتي أدنى منزل من القوم ، فتنزل على مائه ، ثم تغير ما وراءه من القلب والآبار ، وتعمل لك حوضا فتملأه ماء ، ثم تقاتل القوم فنشرب ولا يشربوا ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : ولقد أشرت بالرأي . فنهض صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومن معه وسار حتى أتى أدنى ماء من القوم فنزل عليه ، وعمل ما أشار به الحباب بن المنذر .
هامش
( 1 ) سورة النمل ، الآية 40 . ( 2 ) سورة آل عمران ، الآية 159 .