المهدي ولاه قضاء بغداد ، فقال أبو دلامة :
لقد خاصمتني غواة الرجال * وخاصمتهم سنة وافيه
فما أدحض اللّه لي حجة * وما خيب اللّه لي قافيه
فمن كنت من جوره خائفا * فلست أخافك يا عافيه
فقال له عافية : لأشكونك لأمير المؤمنين ، قال : لم تشكوني ؟ قال : لأنك هجوتني ، قال : لئن شكوتني إليه ليعزلنك . قال : لماذا ؟ قال : لأنك لا تعرف الهجو من المدح .
قال عبد الرحمن بن مسهر : وولّاني القاضي أبو يوسف القضاء ( بجبل ) ، وبلغني أن الرشيد منحدر إلى البصرة ، فسألت أهل جبل أن يثنوا علي فوعدوني وتفرقوا ، فلما يئست منهم سرحت لحيتي وخرجت ، فوقفت له فوافى وأبو يوسف في الحراقة ، فقلت : يا أمير المؤمنين نعم القاضي قاضي جبل قد عدل فينا وفعل وصنع ، وجعلت أثني على نفسي ، فرآني أبو يوسف وطأطأ رأسه وضحك فقال له هارون : مم تضحك ؟
فقال : إن المثني على نفسه هو القاضي . فضحك هارون حتى فحص برجليه ، وقال :
هذا شيخ سخيف سفلة فاعزله . فعزلني .
عن علي بن هشام قال : كان للحجاج قاض بالبصرة من أهل الشام ، يقال له أبو حمير ، فحضرت الجمعة فمضى يريدها ، فلقيه رجل من العراق فقال : أين تذهب ؟
قال : إلى الجمعة . قال : أما بلغك أن الأمير قد أخر الجمعة اليوم . فرجع . فلما كان الغد قال له الحجاج : أين كنت يا أبا حمير لم تحضر معنا الجمعة ؟ قال : أخبرني بعض أهل العراق أن الأمير أخّر الجمعة ، فضحك الحجاج . وقال : أما علمت أن الجمعة لا تؤخر ؟
تقدم رجل إلى أبي العطوف ( قاضي حران ) فقال : أصلح اللّه القاضي ، هذا ذبح ديكا لي فخذ لي بحقي . فقال القاضي : عليكما بصاحب الشرطة .
سأل المأمون رجلا من أهل حمص عن قضاتهم ؟ فقال يا أمير المؤمنين : إن قاضينا لا يفهم وإذا فهم وهم . قال : كيف هذا ؟ قال : ادعى عنده رجل على آخر أربعة وعشرين درهما ، فأقر له الآخر ، فقال : أعطه . قال : أصلح اللّه القاضي لي حمار أكتسب عليه كل يوم أربعة دراهم أنفق على الحمار درهما وعلي درهما وأدفع له درهمين ، فإذا اجتمع ماله غاب عني فأنفقها ، فليحبسه القاضي اثني عشر يوما حتى