تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
يكون خصما على نفسه وحاكما وشاهدا عليها . وإذا كان المدعى عليه كاذبا لا يريد أن يعترف بالواقع وحقيقة الأمر ، بل يريد أن يداجي ويداهن ، فالإمام عليه السّلام يلزم خصمه ( أي المدعي ) أن لا يقابله بالمثل ، بل يقابله بالملاينة والرفق ويقابله بأن يناشده بدينه الذي يدين به ، ويذكره باللّه الذي يعبده ويخلص له ، دون اللجوء إلى أساليب الغلظة والفظاظة ، فليست الأمور الراهنة تحل بمثل هذه الأساليب إلا في القليل النادر .

تاريخ القضاء في الإسلام

وتاريخ القضاء في الإسلام مثله كمثل تاريخ التشريع ، يبتدئ من هجرة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلى يثرب ، لأن التشريع المكي كان بمثابة سن الدستور الأساسي للدولة ، ولا تأتي القوانين عادة في الدولة إلا بعد توطيد أركانها واستقرار جهازها الحكومي . وظل القضاء في المدينة ( عاصمة الدولة الإسلامية ) الناشئة بسيطا ساذجا لم يفرق بينه وبين قوى الدولة الأخرى ، والنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يكن شارعا وحاكما فحسب ، بل كان قاضيا فوق ذلك أيضا وإليه مرد الأمر كله . وقد انعدمت الخصومات في هذا العهد بين الناس أو كادت ، فلا تجد أحدا يجترح إثما ويرمي به بريئا . ولا تجد مدرها يأكل أموال الناس بالباطل ليدلي بها إلى الحكام ، أو فريقا يأكل من أموال الآخرين ظلما وزورا ، لأن تعاليم الإسلام الحنيف كانت من المنعة والقوة بحيث أصبحت ملء القلوب والأسماع والأبصار ، حتى إذا حاد أحدهم عن سبيل الحق ، جاء الرسول يسأله إقامة الحد ويلتمس منه العفو والغفران . ولما تعدى الإسلام الحرمين الشريفين ورفعت رايته على بلاد اليمن بعث إليهم الرسول أمير المؤمنين عليا عليه السّلام عاملا وقاضيا . ثم بعث معاذ بن جبل .

مصدر قضاء الرسول

وكان مصدر قضاء الرسول : هو القرآن الكريم وحده ، وكان إذا شجر خلاف بين المسلمين سألوا الرسول فيجيبهم بآية من كتاب اللّه ، أو بما يوحيه إليه الحق ، وتوجبه العدالة من أعمال وأقوال . فإن أدت تلكم الأعمال والأقوال إلى التباس وارتباك ، أرشده اللّه إلى الصواب بآية ينزلها عليه . ولقد أوسع شرع الجاهلية تحويرا وتعديلا ونقضا ، حتى إذا جاءه بعض المسلمين يريدون أن يتحاكموا إلى الجبت والطاغوت ،
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 237 | السيد حسن القبانچي