تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
ويقتدى به ، وليس يسعه في ذلك ما يسع غيره ، ولا ينبغي له - بعد الحصول في هذا المنصب سواء وصل إليه برغبته فيه ، أم امتحن به وعرض عليه - ، أن يزهد في طلب الحظ الأخلص والسنن الأصلح . وقال بعضهم : « ومن حقه أن يكون غير متكبر عن مشورة من معه من أهل العلم ، ورعا ذكيا فطنا ، غير عجول ، نزها عما في أيدي الناس ، عاقلا ، مرضي الأحوال ، موثوقا به في دينه غير مخدوع ، وقورا مهيبا ، عبوسا من غير غضب ، متواضعا من غير ضعف ، كثير التحرز من الحيل ، ولا ينبغي أن يكون فظا غليظا جبارا . . . » . وقد كتب الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام إلى محمد بن أبي بكر حين قلده مصر : « فاخفض لهم جناحك ، وألن لهم جانبك وابسط لهم وجهك ، وآس بينهم في اللحظة والنظرة ، حتى لا يطمع العظماء في حيفك لهم ، ولا ييأس الضعفاء من عدلك عليهم » . انتهى ما اقتطفناه من كتاب ( دليل القضاء الشرعي ) . ومن هذا المعين معين النبوة والإمامة ارتشف الإمام السجاد عليه السّلام مقاله الوضاء ، وندب إليه وحض عليه بقوله : « وأمهل المهلة ، وأبين البيان ، وألطف اللطف » . هناك يكون القضاء العادل ، هناك يكون القول الفصل ، بإعطاء كل من الجانبين ( المدعي ، والمدعى عليه ) حقه في الأمر وحريته في عرض المسألة . إذا تنازع طرفان في قضية ، وطرق سمعك ما أدلى به واحد منهما من الأدلة ، فإنك قد تندفع بسرعة لإصدار حكمك عليه ، وقد اتفق مثل ذلك كثيرا ولكنه كان على الأكثر حليفا للندامة ، إذ قد تحيف عليه في مثل هذا الحكم المستعجل . والواقع ، أن العدل يفرض عليك سماع الدعوى والدفاع معا ، وأنت هادىء البال ، متجرد عن التحيز ، باحث عن الصواب ، متأنّ في أفعالك ، خاضع للنظم الصحيحة مقتصد في عقيدتك ، بدون إفراط أو تفريط ، وعليك أن ترى طرفي الدعوى بمستوى واحد إلى حين صدور الحكم ، وأن تفسح مجال الدفاع ، وأن لا تضار أحدا في استعجال ، وأن تعطيه المجال المعقول للتروي ثم النظر في صحة وفساد كلا القولين بالنسبة للنظام أو القانون العدل . وأيضا لا يبيح الإمام عليه السّلام للمدعي أن يكون بموقف المدعى عليه ، إن كان يعتقد ببطلان الدعوى وحقيتها للخصم ، فالدعوى من أساسها وأصلها باطلة ، بل يفرض عليه أن لا يحسب نفسه مدعيا ، فليس هناك ادعاء في الواقع ، وإنما يجب أن