ومثل هذا من يشتري من التجار طعامه وشرابه وحاجياته الأخرى ، أو بضاعة يتجر فيها إلى أجل ، وليس بيده ما يدفعه نقدا ، فإن عزم على الأداء والوفاء يسر اللّه له المال حتى يوفي بما عاهد . أما من استقرض أو اشترى شيئا قرضا ، أو طلب إلى الناس أن يودعوه أموالهم أو استعار أو استأجر عازما على الجحود والإنكار ، أو الإتلاف والإهلاك ، فإن اللّه تعالى يتلفه فيوقعه في خبث نيته وسوء ظنه . ويفتح له من أبواب النفقات ما يذهب بماله ، طارفه وتليده ، أو يسلط عليه من البلايا والمصائب ما يستأصل ملكه ، أو يرسل إليه جيشا من الأمراض الفتاكة يعمل في نفسه وأهله وولده ما يحرمهم لذة الحياة ونعيمها ، إلى عذاب في الآخرة شديد .
وهل رأيت غنيا في مال غيره المغصوب متنعما ؟ ولئن ضحكت له الدنيا أياما أو سنين استهزاء به واستدراجا ، لهي كاشرة له عن أنيابها ، ثم تلتهمه التهاما ،
فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
( 52 ) « 1 » .
وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ
( 42 ) « 2 » فالنية الصالحة والإرادة الصادقة لها أثرها في كسب المال والهداية لسبله . والنية الخبيثة جائحة المال ومبددة الثروة ، والقاضية على صاحبها بالفقر والمتربة .
فلا تستقرض إلا عند الحاجة ، وإن استقرضت فاعزم على الوفاء ، ومهد لتنفيذ العزم بتذليل الأسباب ، والبحث عن مسالك المال ، وحذار أن تأخذ أموال الناس في صورة قرض ، وطوية نفسك غصب وسرقة وانتهاب وخيانة ، فتكون غشاشا لمن أعانك ، بل تكون منافقا تبدي للناس غير ما تضمر ، ولا تنس قول اللّه تعالى :
* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها
« 3 » .
فالحديث يحض على الإخلاص في النية ، وعلى أداء الحقوق ، ويتوعد من يضمر الشر أو يستلب أموال الناس بالطرق الخفية .
ولحرص الإسلام على هذا اللون من المعاملات بين الناس ، ورغبته في إبقائها سليمة تؤدي وظيفتها الإنسانية في الحياة ، أخذ كلا من المقرض والمقترض بأدب سمح كريم ، به تتم هذه النعمة - نعمة التعاون - وتدوم .
هامش
( 1 ) سورة النمل ، الآية 52 .
( 2 ) سورة إبراهيم ، الآية 42 .
( 3 ) سورة النساء ، الآية 58 .