والمواساة التي حثهم عليها وغير ذلك من كثير مما أمر ، إلا أمور تأخذ بأيدي المسلمين إلى هذا الغرض ، وترفعهم على ذلك العرش ، ألا تنظرون إلى قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
« لن تدخلوا الجنة حتى تسلموا ولن تسلموا حتى تؤمنوا ولن تؤمنوا حتى تحابوا » . كيف يبين لكم أن التحابب أصل يتفرع عليه الإيمان وأساس تبتنى عليه حقائق الإسلام . وهل استطاع صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يصنع ما صنع ، وأن يفتح بتلك المدة اليسيرة ما فتح ، إلا بما عقد في قلوب المسلمين من عقد الإخاء ، وأحكم فيما بينهم من محكمات المودة ، التي جعلتهم على اختلاف نزعاتهم وتباعد بيئاتهم وتباين قومياتهم ، كتلة واحدة ومجتمعا واحدا .
ثم نعود إلى بيان الحكمة في تشريع تحريم الربا مجملا ، حيث استوفينا موضوعه في المجلد الثاني من كتابنا ( الجواهر الروحية ) فنقول : الربا لما كان يصاد ذلك ويعارضه ، ويغرس في نفوس المسلمين من العداوة والبغضاء ، عكس ما يغرسه القرض من المودة والإخاء ، نهى اللّه تعالى عنه وشدد النكبة على أهله بما سمعتم من البيان ، حتى جاء في الحديث عن أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام أنه قال : « إذا أراد اللّه بقوم هلاكا ظهر فيهم الربا » . ومما يوضح ما قررنا من الحكمة في تشريع تحريم الربا ما جاء في الخبر عن سماعة قال : « قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام : إني قد رأيت اللّه تعالى قد ذكر الربا في غير آية وكرره ، قال : أو تدري لم ذلك ؟ قلت : لا : قال : لئلا يمتنع الناس من صنائع المعروف » .
وأوضح من ذلك ما جاء عن الإمام الرضا عليه السّلام حيث يقول : فيما روي عن محمد بن سنان « وعلة تحريم الربا بالنسيئة لعلة ذهاب المعروف وتلف الأموال - يعني بترك التجارة ورغبة الناس في الربح وتركهم القرض ، والقرض صنائع المعروف » .
ويشير إلى ذلك أيضا ما نراه في سياق الآيات المترادفة في تحريم الربا بعد الآيات المتتالية في الحمل على الصدقات فقال في آخر آيات الإنفاق :
الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
( 27 ) « 1 » . ثم أتبعها بلا فضل بقوله تعالى شأنه :
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ
« 2 » الآية .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية 274 .
( 2 ) سورة البقرة ، الآية 275 .