تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 207

مساهمون:

ص٢٠٧
فإن كثيرا من الناس في هذا العصر لا يكادون يؤمنون بالشيء حتى يقفوا على حكمته ، والسر الداعي إلى تشريعه ، وهذا وإن كان منهم خروجا عن الأدب مع اللّه ورسوله ، بل خروجا عن الإيمان والاستسلام لأوامر اللّه ونواهيه ، وذلك أنه ليس على اللّه إلا بيان أمره ونهيه ، وعلى العباد امتثال ذلك ، سواء علموا المصلحة والحكمة أو لم يعلموا ، ولو فرضنا محالا أنه يجوز على اللّه المالك أن يأمر بشيء لا مصلحة فيه ، أو ينهى عن شيء لا مفسدة له ، فهل يجوز للعبد المملوك أن يعارض مالكه فيما أمره ونهاه ، وهل يصح له الامتناع عن طاعته معتذرا عن ذلك بعدم المصلحة فيما أمر ، وعدم المفسدة فيما نهى ، وهل يجتمع هذا مع الإيمان ،
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً
« 1 » . فهذا وإن كان خروجا منهم ، واللّه سبحانه يريد الإيمان به والتصديق برسله والاستسلام لأمره على كل حال ، إلا أنه لطفا منه لم يبخل على العباد في بيان الحكم والمصالح الملحوظة في تشريع ما أوجب وحرم . والذي نفهمه في تشريع استحباب القرض مضافا إلى أنه إفضال وإحسان والإحسان حسن على كل حال ، أن اللّه أراد أن يقوي المسلمين ويزيد في عددهم ومددهم ، وذلك أمر لا يحصل إلا بالاجتماع والتعاون ، والاجتماع والتعاون وليد الحب ، والحب وليد الإفضال والإحسان . ذكر ابن خلكان في ترجمة الربيع بن يونس : أن المنصور العباسي قال له يوما : يا ربيع سل حاجتك . قال : حاجتي أن تحب الفضل ابني . فقال له : ويحك إن المحبة تقع بأسباب . فقال له : قد أمكنك اللّه من إيقاع سببها . قال : وما ذاك ؟ قال : تفضل عليه ، فإنك إذا فعلت ذلك أحبك ، وإذا أحبك أحببته واللّه تعالى أراد أن يجري الأمور بأسبابها ، ولما بالقرض من التسبيب للمحبة أمر به . فإذن هو يوجب القوة في المسلمين من جهتين : تارة من جهة أنه إفضال يولد المحبة ، والمحبة تستدعي الاجتماع والتعاون ، وهما يقتضيان القوة . وتارة من جهة أنه تعاون بالفعل وقوة بالبداهة ، فإن الغني إذا أمد الفقير بما هو زائد عنده من المال كان ذلك قوة للغني بالرجال وللفقير بالمال ، ومن هنا ترى اللّه تعالى حيث أراد تقوية المسلمين حثهم على الأسباب التي تقتضي ذلك ، وما المؤاخاة التي دعاهم إليها ،
هامش
( 1 ) سورة النساء ، الآية 65 .