تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
فأولا : حث الموسرين على إمهال المعسرين من المقترضين ، ومطالبتهم بالحسنى ، لقول اللّه تعالى :
وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ
« 1 » . ولقول الرسول الكريم محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « رحم اللّه رجلا ، سمحا إذا باع ، سمحا إذا اشترى ، سمحا إذا اقتضى » - . أي طلب قضاء قرضه في سماحة ويسر - . ثانيا : وصى المقترض بحسن أداء ما اقترض في أول فرصة تسنح له ، وذلك أقل ما يجب عليه تلقاء من مد إليه العون في ساعة العسرة ، يقول الرسول الأكرم محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « مطل الغني ظلم » وكيف لا يعتبر ظلما ؟ إنه إزراء بالمروءة والفضل ، واعتداء على شريعة الوفاء والإنصاف ، وإذا مطل الإنسان والتوى في أداء القرض كان سببا في حرمانه من الاستدانة مرة أخرى ، لأن المقرض سوف لا يطمئن ولا يثق بمثل هذا الشخص الملتوي . هذا إذا كان المستقرض موسرا ، أما إذا كان معسرا ، فلا أقل من أن يرضي صاحبه بلين القول ولطف الكلام على وجه يشعره بالحمد لصنيعه والشكر لمعروفه ، على ما أوضح الإمام عليه السّلام بقول : « أرضه بحسن القول ، واردده ردا لطيفا ، ولا تجمع عليه ذهاب ماله وسوء معاملته » . فإن لم يكن كذلك ، فإنه يترك أثرا بعيدا في نفس المقرض ، بأن تأخذ ماله ، ثم لا تعيده إليه بل تقابله حين المطالبة بالقول الغليظ والكلام الخشن ، فليس شيء أدل على اللؤم وخسة النفس ، من أن تجمع على غريمك ذهاب ماله وسوء المعاملة . وجماع القول : مما يحقق الثقة بالمرء أداؤه لحقوق الناس ، ولو لم يكن من كبار المثرين . ومما يزلزل الثقة أو يزيلها تلكؤه في أداء الحقوق ، ولو كان في مقدمة الأغنياء الموسرين . والثقة رأس مال كبير ، تسهل للمرء طرق أبواب التجارة وإن كان ماله قلا ، وتقرب إليه جيوب الناس وخزائنهم ، وإن لم يكن مليئا ، فلا جرم حذر الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، مما ينزع الثقة بالمرء من نفوس الناس ، وهو المماطلة . ولقد عرّف علماء الأخلاق العدل بأنه إعطاء كل ذي حق حقه . ولما كانت مماطلة الغني القادر على الدفع ، وتأخره في أداء الحقوق منعا للحق عن صاحبه ، عدها الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ظلما بقوله : « مطل الغني ظلم » . وقال ابن الفضل :
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية 280 .