من هذا البيان يفهم أن ما يحاوله المسلمون اليوم من التقدم إلى ما بلغه المسلمون بالأمس لا يكون إلا بالسير على الطريقة التي دلهم اللّه عليها ، والقيام بالأعمال التي ندبهم إليها ، وأنهم لم يتأخروا إلا بتضييعها والتنكب عنها . وما ربك بظلام للعبيد .
ولنعد إلى أصل الموضوع ( القرض ) : وإذا اقترض وأعسر
فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ
« 1 » وهذه الصيغة تفيد الأمر لا الندب ، وبجوارها التحبيب في التيسير والسماحة ، كقول الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « رحم اللّه رجلا سمحا إذا باع ، وإذا اشترى وإذا اقتضى » فالسماحة في الاقتضاء تحفظ للمقرض كرامته ، وتغرس المودة في نفسه لمستقرضه ، وتحثه على الجهد في الأداء قدر طاقته . قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من سره أن ينجيه اللّه من كرب يوم القيامة ، فلينفس عن معسر ، أو يضع عنه » .
وقال : « من أنظر معسرا أو وضع له ، أظله اللّه يوم القيامة تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلّا ظله » .
ويفرض الإسلام في مقابل هذا على المستقرض أن يجتهد في رد القرض إبراء لذمته ، وردا لفضل الاقراض بفضل الوفاء ، وتمكينا للثقة في المعاملات بين الأفراد .
قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى اللّه عنه ، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه اللّه » .
فمن أخذها يريد أداءها جد وكد ليكتسب ويسترزق ، وغالبا ما يكسب المجد الصادق العزيمة . ومن أخذها يريد إتلافها استمرأ أن يعيش بأموال الناس وقعد عن العمل والجهد ، فاسترخى وسقطت همته وآض إلى تلف وبوار .
قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « مطل الغني ظلم » .
إن من يقترض أموال الناس لحاجة من حاجه ، عازما على أدائها في الموعد المضروب ، أو حين يقع في يده مال ، فهذا يؤدي اللّه عنه ديونه ، فيفتح له من أبواب الرزق ما لم يكن يحتسبه ، مكافأة على نيته الصالحة وعزمه المحمود .
على أن لتلك الإرادة أثرا في اكتساب الرزق ، فإنها لا تزال بصاحبها تدفعه إلى تلمس أبواب المكاسب ، والبحث عن طرق المال ، حتى يهتدي إليها ويؤدي ديونه .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية 280 .