هو قرض حسن للّه ، مضمون عنده يضاعفه أضعافا كثيرة . يضاعفه في الدنيا مالا وسعادة وراحة ، ويضاعفه في الآخرة نعيما ومتاعا ورضى .
ولا شك أن القرض لون من ألوان التعاون والبر بين الناس : كالهبة والوصية ، حيث يضع صاحب المال ماله في حاجة المحتاج ، يمده به ، ويصر على عدم الأداء إلى أن يوسر المدين ، وليس كهذا العمل عمل يؤلف بين الناس ، ويوثق روابط المودة والرحمة بينهم .
هذا اللون من التعاون هو الذي ينمي المودة ، ويليق بالمروءة ، ويكفل التضامن بين الجماعة : غنيها وفقيرها ، قادرها وعاجزها ، فلا فضل للمال في ذاته ، إنما هو الانتفاع به والجهد فيه ، فوجوده في يد لا يبرر أن تحصل به لذاته على فائدة ، والذي يقترضه هو الذي يجهد فيه ، فيجب أن تعود غلة الجهد ، وأن يعود المال مفردا - بلا زيادة - لصاحب المال .
وإنه ليستوي أن يكون القرض للاستهلاك أو الإنتاج في عرف الإسلام ، فإنه إن كان للاستهلاك - أي لينفقه المستقرض على حاجاته الضرورية - فإنه لا يجوز أن يرهق برد فائض عن قرضه ، فحبسه أن يرد أصل القرض عند الميسرة ، وإن كان للإنتاج فالأصل أن الجهد الذي يبذله هو الذي ينال عليه الربح ، لا المال الذي يستقرضه فالمال لا يربح إلا بالجهد ، والجهد هو المعول عليه في الإسلام . لذلك يحرم الربا في جميع الأحوال ، ويحتم إقراض المستقرض لضروراته في جميع الأحوال .
ولست الآن في صدد التكلم حول هاتين المسألتين - القرض والربا - من جهة الحكم فيهما . فإن استحباب الأول وحرمة الثاني معلوم بالضرورة من الشرع الإسلامي والنص فيهما من الكتاب والسنة مستفيض صريح . وإليكم البعض مما جاء في ذلك .
فمما جاء في استحباب القرض من الكتاب قوله تعالى في آية 245 من سورة البقرة :
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ .
وفي آية 18 من سورة الحديد :
إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ .
وفي الآية 12 من سورة المائدة في حكاية خطابه لبنى إسرائيل :
لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً