القناعة والمال :
المال ضروري للحياة ، والحاجة إليه لازمة لا يعرى منها بشر ، ومن عدم المال - الذي هو مادة الحياة - لم يستقم له دين ولا دنيا ، ولحقه الوهن في نفسه ومروءته وأخلاقه ، وأسباب كسبه كثيرة متنوعة ترجع إلى أصول ثلاثة : هي الزراعة ، والتجارة ، والصناعة . وما عداها من الأعمال متفرع عنها وراجع إليها .
والمال ليس من الكمال الذي يطلب لذاته : كالعلم وفضائل الأخلاق ، وإنما يطلبه من يطلبه لأمور :
منها : منازعة الشهوات التي لا تنال إلا بوفر المال ، وليس لشهوات المرء حد تقف عنده ، ولا غاية تصل إليها ، ولهذا يكون ما يصيب من اللذة بما جمعه من المال غير واف بما يعانيه من استدامة كده وتعبه ، مع ما قد لزمه من ذم الانقياد لمتابعة الشهوات ، وهذه حال لا يكف المرء عنها في الغالب عقل زاجر ولا قانون وازع ، فقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال : « من أراد اللّه به خيرا حال بينه وبين شهواته » .
منها : أن يطلب المال ويلتمس كثرته لينفقه في وجوه البر ويصطنع به المعروف عند أهله ، وصاحب هذا أجدر بالحمد وأحرى بالتبجيل وأولى باحترام الناس ، وبقدر ما يبذل في ذلك من الإفادة والاستفادة يكون حظه من الخير وحسن العاقبة ، ومن فعل هذا فقد أصاب بالمال وجهه ووضعه في موضعه ، لأن المال آلة للمكارم وعون على الدين ومتألف للإخوان ، ومن فقده من الناس قلت الرغبة فيه والرهبة منه ، ومن لم يكن موضع رغبة ولا رهبة استهان به الناس ولو كانوا أقاربه الأدنين وخلانه الأوفين ، ولهذا قيل : « متى استغنى كرم على أهله » ، ولعظم خطره سماه اللّه تعالى خيرا في كثير من آياته ومدحه فيها ، قال تعالى :
إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ
« 1 » وقال تعالى :
وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً
« 2 » وقال :
وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
« 3 » وقال :
إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ
« 4 » وقال في مقام الامتنان :
وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً
« 5 » . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « نعم المال الصالح للرجل الصالح » .
هامش
( 1 ) سورة هود ، الآية 84 .
( 2 ) سورة النور ، الآية 33 .
( 3 ) سورة العاديات ، الآية 8 .
( 4 ) سورة البقرة ، الآية 180 .
( 5 ) سورة نوح ، الآية 12 .