وأقلهم حظا من دنياه ، وأكثرهم عناء بما جمع من المال وما يستلزمه من التدبير والقيام عليه ، والعمل لتنميته ، لأن من كانت رغبته هذا لا يجد ما يصرفه عنها أو يقلل تلك الرغبة في نفسه حتى يلقى حتفه .
وفي هذا يقول سبحانه وتعالى :
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
« 1 » .
ومن كانت غايته جمع المال وادخاره استولى عليه بعد الأمل ، وهو سبب الشح الذي يصيب كثيرا من الناس ، فيصرفهم عن أداء الحقوق الواجبة للّه ولأنفسهم وللناس ، ويبعثهم على التورط في المحرمات وما يستهلك دينهم وأعراضهم وأخلاقهم ، إذ ليس للحريص غاية يقف عندها ولا نهاية يقنع بالوصول إليها .
وليس ينجي الإنسان من شرك استعباد المال وخطر استهوائه للأفئدة غير القناعة ، فإنه لا غنى إلا بغنى النفس ، ومن لزم القناعة زالت عنه صفة الفقر ولهذا قيل :
غنى النفس ما يكفيك من سد خلة * فإن زاد شيء عاد ذاك الغنى فقرا
وملاك القناعة الرضا والانصراف عما يثير في النفس الحرص والجشع ، وطلب الدنيا بأسباب لا تحل مباشرتها وتتفاوت درجات القناعة في الناس :
فمنهم من يرضى بما يتبلغ به من دنياه ، وينصرف عن كل ما سواه ، وهذه حال وإن كانت ترتاح إليها نفوس كثير من الناس أشبه بالعجز وأليق بالنوكى والكسالى ، ومن لا يرون لهم حظا من دنياهم يجب أن يحرصوا على طلبه ويجدوا في إدراكه .
ومنهم من يطلب ما يكفيه من الدنيا لنفسه ولأهله ولأصحاب الحقوق عليه ، ولا يمد عينيه إلى ما وراء ذلك مما يزيد عناءه ويكثر آلامه ، وهذه حال لا بأس بها لمن أراد أن يبقي على نفسه وشرفه .
ومنهم من يقنع بما سنح له قليلا كان أو كثيرا ، وتقر عينه بما صار إليه من متاع الدنيا ، وإن فاته شيء منها لم يجدّ في طلبه ، ولم يحزن لفوته ، لعلمه أن لا شيء من خير الدنيا وشرها إلا وهو بقدر ، وما كان له منها أصابه على ضعفه ، وما كان عليه منها لم يدفعه بقوته ، وهذه حال كثير من العقلاء ممن فيهم أناة وصبر وحسن تصريف للأمور ، ونظر في العواقب مع عدم استسلام لهوى النفس وخدعها الكاذبة ، وبها يصيرون إلى الراحة واطمئنان النفس وعدم المؤاخذة .
هامش
( 1 ) سورة التوبة ، الآية 34 .