تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
وما الناس والأهلون إلا ودائع * ولا بد يوما أن ترد الودائع
ومن وجه منحة منحها الإنسان لينتفع بها في حياته ، وينتفع بها غيره بعد مماته ، غير أن الإنسان اغتر بها فظن أنها جعلت له هبة مؤبدة ، فركن إليها ولم يؤد أمانة اللّه تعالى ، ثم لما طولب بردها تبرم وضجر ، وسخط وجزع . وبعضهم - وهم الأقلون - حفظوا ما عهد إليهم ، فتناولوها تناول العارية والمنحة والوديعة ، فأدوا فيها الأمانة ، وعلموا أنها مستردة ، فلما خرجت منهم لم يغضبوا ولم يجزعوا ، وردوها شاكرين لما نالوه منها ، ومشكورين لأداء الأمانة فيها . وقد ذكر بعض العارفين في ذلك مثلا فقال : إنما مثل أرباب الدنيا فيما أعطوه من أعراضها ، كرجل دعا قوما إلى داره ، وأخذ طبق ذهب عليه بخور ورياحين ، فكان إذا دخل أحدهم ناوله إياه لا ليتملكه بل ليشمه ويناوله لمن بعده ، فمن كان جاهلا ظن أنه يملكه ، فلما استرجع منه ضجر ، ومن كان عالما تناوله فشمه ثم أعاده بانشراح صدر .

تعلق النفس بالمال :

لا شك أن النفوس جبلت على حب المال : قال تعالى :
وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ
« 1 » .
وَتُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا
« 2 » وهو أمر ضروري لا يحتاج لبيان ، ولذلك سببان : أحدهما : حب الشهوات العاجلة ، ولا وصول إليها إلا بالمال مع طول الأمل ، فإن علم الإنسان أنه يموت بعد يوم فقد لا يبخل بماله ، وقد يبخل به إن كان له أولاد ، لأنه يقدر بقاءهم كبقاء نفسه ، وإلى ذلك يشير قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الولد مبخلة مجبنة مجهلة » ، وقد يسخو مع ذلك إذا أحسن الظن باللّه وتيقن الخلف . قال علي أمير المؤمنين عليه السّلام : « من أيقن بالخلف جاد بالعطية » وذلك حق ، لأن من يوقن بالخلف يعلم أن مادته دائمة غير منقطعة . قال الشاعر :
من ظن باللّه خيرا جاد مبتدئا * والبخل من سوء ظن المرء باللّه
ثانيهما : حب عين المال : فمن الناس من معه ما يكفيه طول عمره ويزيد على
هامش
( 1 ) سورة العاديات ، الآية 8 . ( 2 ) سورة الفجر ، الآية 20 .
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 186 | السيد حسن القبانچي