جميع مطالبه ، وهو شيخ بلا ولد ، ولا تسخو نفسه بإخراج شيء في مصالح دنياه وآخرته ، ولا بمداواة نفسه عند المرض ، وما دفعه إلى ذلك إلا حبه للمال وعشقه له ؛ ومثله في ذلك كمثل رجل عشق شخصا فأحب رسوله لنفسه ثم نسي محبوبه واشتغل برسوله ، لأن المال رسول يبلغ إلى الحاجات فصار محبوبا ، وقد تنسى الحاجات ويصير الذهب محبوبا في نفسه .
وحب المال لا يخلو منه أحد ، وربما يكون كامنا في النفس فتثيره مشاهدة النعمة عند غيره ، لأنها تثير الشوق إليه ، وتجعل الشخص يتنبه لألم الحرمان ، وقد كان غافلا عنه قبل ذلك ، وهذا من مقتضيات الأمور التي لا تدخل تحت الاختيار ، ولم يعر منه أحد عدا من عصم اللّه من أوليائه ، لأن ذلك من مقتضيات البشرية ، وإنكار حبه مكابرة ، وقد يتعدى حب المال والدنيا إلى حب أهل المال بالطبع .
قال علي أمير المؤمنين عليه السّلام : « الإنسان عبد للدنيا ولمن في يديه شيء منها » .
ومن وجوه ذم المال أن الولع به قد يؤدي إلى أمور محظورة ، كالبخس في الوزن والتطفيف في الكيل ، والجحود للحق ، والمغالطة في الحساب ، والشتم والإهانة ، واحتمال أشباه ذلك طلبا للكسب ، واللؤم وهو الإمساك عن الإنفاق في أبواب الجميل ، ويؤتى صاحبه من قبل أن لا يعرف طرق الجميل . ومنها التقتير ، وهو التضييق فيما لا بد منه ، كالإنفاق على الأبناء ووجوه الخير ويؤتى صاحبه من قبل أنه لا يعرف الواجب والسرف : وهو الانهماك في الشهوات واللذات . والبذخ : وهو أن يتعدى المرء أهل طبقته مباهاة . وسوء التدبير : وهو أن ينفق في غير ضرورة ، ويهمل الأهم من أموره ، ويؤتى من قبل أنه لا يعرف مقادير النفقة ، ومن أراد أن يجانبه الذم في شأن المال فليراع ما يأتي :
1 - أن يعرف أبواب الجميل ويرغب فيها ويبتغيها .
2 - أن يعرف الحق اللازم ويوجبه على نفسه .
3 - أن يتوخى القصد في الإنفاق على لذاته المشروعة .
4 - أن لا يتعدى ما يفعله أهل طبقته .
5 - أن يعرف استحقاق كل حال مما يحتاج إليه .
6 - أن يكون إنفاقه كرما لا تبذيرا وإسرافا ، فإذا فعل ذلك نسب إلى كل خلق محمود .
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 187
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص١٨٧