تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
والخارجة أدونها ، وأدون الخارجات المال ، لأنه خادم غير مخدوم ، وسائر القنيات خادم من وجه ومخدوم من وجه ، لأن النفس يخدمها البدن ، والبدن يخدم المأكل والملبس ، وهما يخدمهما المال . فالمال من حقه أن يكون خادما لغيره من القنيات ، وأن لا يكون شيء من القنيات خادما له ، وإن كان كثير من الناس لجهلهم يجعلون جاههم وأبدانهم ونفوسهم خدما للمال وعبيدا ، وهم الذين ذمهم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بقوله : « تعس عبد الدينار » . ولعظم منافع المال في الأمور الدنيوية قال تعالى :
وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ
« 1 » . وخوّف من أعجب باقتنائه : فقال :
أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ ( 55 ) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ
( 56 ) « 2 » . فحق الإنسان أن بعد المقتنيات الدنيوية آلات موضوعة في فندق يصلح للانتفاع بها المسافر ما دام نازلا في ذلك الفندق ، فيتناول منها مقدار ما يتبلغ به ، ويتسلى عنها عندما يرحل ، ويستهجن لنفسه أن يكذب ، ويغضب ويحزن ، ويرتكب القبائح في سبيلها . إن المال الذي هو العين جعله اللّه سبحانه سببا للتعامل به كما تقدم آنفا ، وخادما كما ذكرناه ، فقبيح بالحر المترشح لنيل الفضائل والاقتداء بالبارىء جلّ ثناؤه ، والوصول إلى الغنى الأكبر ، أن يتهافت على المال بأكثر مما يحتاج إليه ، ويجعل نفسه أقل رفيق وأخسه كما قيل :
فرقّ ذوي الأطماع رقّ مخلد
الحق أن المال في أيدي الناس عارية ، لأن اللّه تعالى أوجد أعراض الدنيا بلغة ، فاعتدها الناس عدة ، وصير الدنيا مرتحلا وممرا ، فصيروها موطنا ومقرا إلا قليلا أنزلوها حيث أنزلها اللّه تعالى ، وهم الذين وصفهم اللّه تعالى بقوله :
وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ
« 3 » تاجروا بها ربهم . كما قال تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ
( 10 ) « 4 » . وأعراض الدنيا من وجه عارية في أيدي الناس مستردة كما قال الشاعر :
هامش
( 1 ) سورة النساء ، الآية 5 . ( 2 ) سورة المؤمنون ، الآية 55 . ( 3 ) سورة سبأ ، الآية 13 . ( 4 ) سورة الصف ، الآية 10 .
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 185 | السيد حسن القبانچي