كل إنسان ما عدا أسرته ، فهذا لفظ لا مصداق له في الحياة ، ولا معنى له في قاموس الحياة ، نعم معناه مشروع ومفسر في قاموس اللغة .
إن الإنسان مهما سيطر عليه حب المال ، واستأثرت به الكزازة ، لا بد أن تحل عقدته مناسبات . وتستثير نخوته ملابسات ، وتحيط به ظروف وتقتضيه أوضاع أن يكون باذلا لماله مسعفا لمن يهيج عاطفته وينبه وجدانه ويحرك حماسته ، وإن الحياة الواقعية التي رأيناها دلتنا في كثير من الأحيان على سخاء وبذل من أناس عرفوا بالبخل والشح ، وتحدث الناس عنهم في المحافل ، ونعتهم الشعراء بأنهم لو استطاعوا لتنفسوا من منخر واحد .
في النفس أشياء تنسب إلى الطبع والجبلة ، قبل أن تنسب إلى التفكير والتدبير .
فمن كان عالما لا بد أن يرشد جاهلا في الناحية التي يعرفها العالم ويجهلها الجاهل .
ومن كان قويا لا بد أن يعين ضعيفا ، ومن كان غنيا لا بد أن يسعف فقيرا . ولكن ترك هذه الأمور إلى الموافقات والمناسبات لا يظهر في المجتمع أثرها ، ولا يحسن في النفوس وقعها ولا تأتي بالنتيجة المطلوبة والنفع المأمول ، ولا تخفف من شقاء الإنسانية المعذبة ولا تقلل من متاعبها .
أهل البيت عليهم السّلام كان أقصى همهم في الحياة ، تعليم الجاهل وإرشاد الضال وإيقاظ الغافل إلى السعادة ليكون المجتمع تنتظمه السعادة في سائر مرافقه بجميع أفراده ، لا فرق يقوم على تمايز وتفاضل واستئثار .
قال الصادق عليه السّلام : « إنما أعطاكم اللّه هذه الفضول من الأموال لتوجهوها حيث وجهها اللّه ، ولم يعطكموها لتكنزوها . فإذا كان لا بد للإنسان من إنفاق وبذل ، إذا كان ميسورا فأفضل الناس من كان بذله في خير الذي يعين على تخفيف ويلات المجتمع وإنقاذ أكبر عدد من أنياب الشقاء ومخالب البؤس ، وأن يكون البذل في طريق الفضيلة لا في طريق الرذيلة والنقيصة ، ولا في طريق يشجع الطبقة المجرمة الآثمة .
قال الصادق عليه السّلام : « إذا أردت أن تعرف إلى خير يصير الرجل أم إلى شر ؟
فانظر أين يضع معروفه ؟ فإن كان يضعه عند أهله فاعلم أنه يصير إلى خير وإن كان يضع معروفه مع غير أهله ، فاعلم أن ليس له في الآخرة من خلاق » .
من هذا الحديث نسترشد إلى أن إنفاق المال ينبغي أن يكون لتخفيف بؤس البائسين وإصلاح الفاسد وتقويم المعوج .
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 183
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص١٨٣