المال نعمة ، يعطيها اللّه للإنسان ، وقد يكون نقمة . وإنما المدار في المال هو نوعية اكتسابه ، ونوعية صرفه .
لا ينظر الإسلام إلى المال من حيث هو مال ، إنما ينظر إليه من حيث اكتسابه ، فيبيحه إن كان مشروعا ، ويحرمه إن كان غير مشروع . وينظر إليه من حيث صرفه أيضا ، فإن صرف في غير محل مشروع كان ذلك إثما ، وإن صرف فيما يجوز كان مباحا .
والنتيجة هي أن يكون المال مأخوذا من حله مصروفا في حله .
وليس المال أساسيا في ذاته إنما هو وسيلة إما إلى الخير ، وإما إلى الشر . وليس هو نعمة إلا إذا صرف في سبيل الخير .
ليس المال - كما يقول بعض الغلاة من علماء تدبير المال - غاية في ذاته ، وإنما هو ذريعة إلى تجميل حال بني الإنسان ، واشتراك ذوي الإقلال والإكثار ، في الاستمتاع بخير الدنيا ونعيمها ، فيقل بينهم التحاسد ، وينتفي عنهم تباغض العدم ، وتكثر المواساة والتواصل ، وتنبسط النفوس ، فتتفرغ للذود عن حريتها ، وتنهض للضرب في الأرض ، وشق عباب البحار ، وامتطاء متن الهواء تقتنص شوارد العلم ، وتتلقن ضروب الصناعة والتجارة ، فتتسع آمالهم ويتممون من العمران ما قصرت أعمال السلف عن استيعابه ، ويرمّون ما أحدثوه من شعث . وهكذا تكون أحوال أمتهم على الأعصار ملتئمة ، وأمورها على مرّ الدهور منتظمة ومن تم له ذلك فأحر به أن يحيا حياة أساسها الفضيلة ، وثمرها رغد العيش في الدنيا ، والنعيم المقيم في الآخرة .
هذا العمل والمال علمنا أهل البيت عليهم السّلام ، أن نسهر في طلبه ونثابر ونهاجر ونتاجر لنكون في غنى عن الناس ، وفي ذلك غفران الذنوب وطاعة اللّه وجهاد في سبيله ، فإذا تيسرت لنا أسباب الثروة وأخذنا بأطراف الغنى فما ذا نصنع ؟
لو فتشت المجتمع الحاضر ، أو رجعت في نظرك القهقرى إلى أدوار التاريخ وعصوره وتتبعت سيرة الإنسان - ذلك المخلوق الاجتماعي - فلا يمكن أن تجد بخيلا حقيقيا ، وإنما هي أمور نسبية ، وبخل نسبي ، والبخل الحقيقي الذي هو قبض اليد عن
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 182
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص١٨٢