تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
من الأعمال واستحلت طعم الراحة والبطالة ، أسرع إليها الفناء ، والاضمحلال ، وخلفها غيرها من الأمم العاملة النشيطة فالرومانيون مثلا لم يبيدوا أو يذهب سلطانهم إلا حين احتقروا العمل ، وأخلدوا إلى البطالة واللهو والترف ، حتى كانوا يرون أن الأعمال لا تليق إلا بعبيدهم . وقد جعل الشرع الإسلامي حظ كل إنسان في حياتيه الدنيوية والأخروية منوطا بعمله ومتوقفا على مقدار سعيه لها ، فقال تعالى :
وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ( 39 ) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ( 40 ) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى
« 1 » أي أن حظه من النجاح والمكافأة في الدنيا والآخرة على قدر ما يبذله من العمل والسعي خيرا أو شرا قليلا أو كثيرا . وجاء هذا المعنى أيضا في قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إن اللّه يعطي العبد على قدر همته ونهمته » وهمته عزمه ، ونهمته حاجته وقصده . روي أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان جالسا مع أصحابه ذات يوم ، فنظروا إلى شاب ذي جلد وقوة قد بكر يسعى ، فقالوا : ويح هذا ، لو كان شبابه وجلده في سبيل اللّه ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لا تقولوا هذا فإنه إن كان خرج يسعى على ولده صغارا فهو في سبيل اللّه ، وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيل اللّه ، وإن كان خرج يسعى على نفسه ليعفها فهو في سبيل اللّه ، وإن كان خرج يسعى رياء ومفاخرة فهو في سبيل الشيطان » وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، في التحذير من البطالة وسوء نتائجها : « إذا قصر العبد في العمل ابتلاه اللّه بالهمّ » . لا جرم أن الهموم والأكدار والأماني الباطلة ، إنما تكون من ذوي البطالة والفراغ والعطالة عن العمل . قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « أخشى ما خشيت على أمتي كبر البطن ومداومة النوم والكسل » كبر البطن كناية عن انتفاخه وامتلائه بالطعام مما يكون مجلبة للكسل والعجز عن متابعة العمل . فالشارع عاب الكسل عن العمل وما يؤدي إليه من الإفراط في النوم والأكل . وبالجملة ، فإن أعدى أعداء العمل ، الاتكال المقرون بالإهمال والتقاعد وترك السعي ، وأقوى أركان العمل وأشد أنصاره التوكل الصحيح الشرعي المقرون بالسعي والحركة والنشاط ، واتخاذ الأسباب الظاهرة التي أمرنا اللّه ونبيه بمراعاتها والسير على سننها . فمن كرس حياته للحق والخير فعمله عبادة ، وكل قطرة عرق تبذل فيه فهي آية
هامش
( 1 ) سورة النجم ، الآيات 39 - 41 .