وإنما اتصفت هذه الأحاديث بالقدسية ، لأنها مرفوعة إلى ذات القدس على لسان الرسول الأعظم ، والذات القدسية هي القوة الأولى التي يتقوم بها الكون . ولنعد بعد هذا التمهيد إلى صلب الحديث الأقدس ، والمجمل بمعناه أن اللّه بين كل شريكين ، إلا إذا خان أحدهما الآخر ، فالأحاديث القدسية مفصلة لما أجمله القرآن ، فقد ورد في الكتاب العزيز قوله تعالى :
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ
« 1 » فاللّه مع كل أحد ، بل مع كل شيء ، فإذا كان هذا الأحد مؤمنا بربه كان هاديا له ، وإذا كان كافرا بربه كان مضلا له ، فإذن هو معه على أي حال ، وإنما قال : خرجت من بينهما فهو من التجوز ، أو يقصد بذلك أنه تعالى خرج من عونهما والعمل على هديهما ، وإلا فهل يخلو منه مكان ؟ ؟ تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ، وليس معنى قولنا : لا يخلو منه مكان ، أنه موجود بذاته في كل شيء ، وإنما علمه وهيمنته وقدرته مسيطرة على كل شيء ومتغلغلة فيه .
والحديث القدسي المذكور في صدر هذا البحث ، إنما اختص بالشركة في كونه ثالث الشريكين مع أنه ثاني كل اثنين ، وثالث كل ثلاثة ، ورابع كل أربعة ، وما يكون من شيء إلا وهو معه أينما كان .
أقول : إنما أخص الشركة هنا إيذانا بأن التضامن والتكافل والتعاضد والتعاون والتكاتف ، التي نطلق عليها لفظ الشركة ، هي القوام الأول لحياة الإنسان . والقرآن الشريف ، يليه الحديث المأثور والحكمة السائرة فياض بالنداء على أن الإنسان أخو الإنسان أحب أم كره ، والأخوة التي هي مشروعة في الإسلام تستدعي التحابب والتآلف وكثيرا من التعارف ، وهذه هي عين الشركة التي يكون اللّه بها ثالث الشريكين .
فالشركة في الحياة إذن هي من صميم الحياة إذا لم تكن عنصرها الأول الذي تتقوم به . ومن هنا نصل إلى أن الخيانة هدم لهذه الشركة التي هي بناء للإنسانية ، وعلى مقدار ما يتقوم به الحي من مشاركة نزيهة في الحياة ، يتقوم انهيار هذا الحي بالخيانة التي يصدع الشريك بها شريكه ، فاللّه إذن مع الشريكين في عونه وتوفيقه ، إذا استعانا به والتمسا توفيقهما منه ، وأحسنا الأمانة التي يقوم عليها الحق في تعزيز كرامة الإنسان العزيز على خالقه ، واللّه إذن مع الشريكين في بطشه وانتقامه إذا خان أحدهما الآخر ،
هامش
( 1 ) سورة المجادلة ، الآية 7 .