هو المسيطر علينا إنما يعود لحسن اختيارنا أو سوئه بين يدي سلطان العقل أو النفس علينا .
وصفوة القول : إن معونة اللّه وتوفيقه يكونان مع الشريكين الأمينين . فإذا خان أحدهما صاحبه ارتفع أثرهما من تجارتهما بالحرمان منها ، وهذا أمر شاهد ، فإن صفة الأمانة في التاجر توطد ثقة إخوانه فيه وإقبالهم على معاملته ، فتزداد أرباحه وتغزر ثروته ، وبالعكس إذا كان خائنا خرب الذمة ، حل به الإفلاس والسقوط من عيون الناس . ومن ثم قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الأمانة غنى » ، « الأمانة تجلب الرزق ، والخيانة تجلب الفقر » . وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى اللّه عنه ، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه اللّه » .
من الأمور المشاهدة التي تقع تحت أسماعنا وأبصارنا ، بين الآونة والأخرى ، نهوض بعض التجار ونجاحهم ، وسقوط آخرين وخسارهم ، فيستغرب الناس ذلك ، وبعد مدة يظهر لهم أن سبب نجاح الأولين حسن نياتهم ، وعزمهم على أداء الحقوق التي ائتمنوا عليها لأصحابها ، لذلك جعل اللّه تجارتهم رابحة وأدى عنهم . وسبب سقوط الآخرين وخسارهم سوء نياتهم ، وعزمهم على أكل أموال الناس التي ائتمنوا عليها ، فخسرت تجارتهم ، وأتلفهم اللّه بإتلاف أموالهم ، وكانت عاقبة أمرهم خسرا .
أجل إذا لم يكن الشريك أمينا ، ولم يكن موضع ثقة واطمئنان ، انحلت عقد التعاون ، وشلت أيدي التجارة وكسد العمل وتحطمت أركانه ، وتأخر سيره عن الركب الذي شرعه الحكيم لخير عباده ، وهو أن جعل العمل روح الحياة وأساس العمران ، وسبيل الكمال ومنبع الثروة والمال ، وجعله من ضروريات الحياة فلولاه ما رأيت قصورا شاهقة ، ولا حقولا ناضرة ، ولا حدائق يانعة تؤتي أكلها كل حين ، وتبعث إليك بأريج أزهارها ، وتمدك بفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة . ولولاه ما رأيت طائرات تحلق في الجو ، ولا فلكا تمخر في عباب اليم ، ولا عرفت البخار وآثاره ، ولا الكهرباء وعجائبها ، ولا حصلت على ثوب تلبسه ، ولا رغيف تأكله ، ولا ماء صاف تشربه ، ولا كتاب مفيد تقرأه ، ولوجدت كل شيء على حاله منذ ابتدأ اللّه خلقه . وإذا كانت حياة الإنسان الخلقية وقيمته الأدبية متوقفتين على واجب الصدق ، فإن حياته وقيمته - مادة وأدبا - متوقفان على تأدية واجب السعي والعمل . وفي هذا قال بعض الكتاب الغربيين :
« ليست الحياة يوم عيد ولا يوم حداد ، وإنما هي يوم عمل » .
وإن عظمة الأمم إنما تقاس بمقدار سعي أبنائها ، وثمرة أعمالهم ، وكل أمة أنفت
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 176
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص١٧٦