وهذا البطش والانتقام هو عين تخليه عنهما ، لأن الراعي إذا تخلى عن رعيته ضلت السبيل الذي تسلكه إلى حياتها ، وفي رعاء البهيمة إذا أهملها الراعي مثل لما نحن بصدده من تخلي الحق الذي يرعى الإنسان ، عن الرفق به والهيمنة عليه .
أما قوله ، جلت عظمته : « خرجت من بينهما » فهو إشارة جلية إلى أنه كان الصلة بينهما ، وإذا كان اللّه صلة بين كل اثنين من عباده سادت المحبة بينهما ، وكانت هذه المحبة سببا في سعادتهما والعمل على توثيق الأواصر بينهما ، فإذا زاغت قلوبهما كان هذا الزيغ سببا في زوال تلك الصلة ، وانفصام العروة الوثقى بينهما ، وذلك هو الدمار الذي يساور الشركة التي هي علة اتحادهما وتعاضدهما ، وقديما ضرب الإنسان مثلا أعلى في التضامن بين الزوجين اللذين هما شريكان في الحياة ، ضرب مثلا في أن الولد صلة وثقى بين الزوجين ، وأنه سبب أول في تركيز دعائم الأسرة التي يقوم عليها بناء المجتمع الإنساني .
فالولد الذي هو خلاصة المحبة بين الزوجين ، والذي هو مزيج من دمهما المعبر عنه بالروح ، والذي هو النقطة الحساسة في استدرار عطفهما عليه والرفق به والحنين إليه والتضامن في سبيل حياته ، هذا الولد هو الصلة الوثقى بين أبويه ، فإذا تزعرعت الثقة بين الزوجين كان خروج الولد من بينهما أول ضحية لزعزعة تلك الثقة التي قد تفضي بهما إلى الفراق الأبدي فيكون هذا الفراق سببا في انهيار الأسرة بزوال الأبوة والنبوة من صميم ذلك الكيان القائم على التضامن في الحياة .
وإذا كان الولد الذي هو مزيج من دم الأبوين ، والذي هو خلاصة المحبة التي كانت وليدة اشتراكهما في الحياة .
أقول : إذا كان هذا الولد الصلة الوثقى بين أبويه تربطهما في العمل الخير بين خلودهما في الحياة ، فكم تكون الصلة بينهما وثيقة إذا كانت وليدة الخلق الإنساني القائم فيهما ؟ ؟ فإن اللّه الذي جعل بين عباده المودة والرحمة ، وأقام على هاتين الدعامتين بناء العوالم التي تعمر الوجود الحي ، هو أقرب إليهما من الولد الذي يؤلف بينهما فيخلق من هذا التأليف شركة يؤسسان بها نظام الأسرة وبناء الكيان العاصم لهم جميعا من فساد الحياة المفضي بهم إلى تلاشي ذلك الوجود .
فاللّه إذن هو صلتنا الوثقى بالروح التي تحاول رفعنا إلى السماء ، والشيطان إذن هو صلتنا الوثقى بمادتنا التي تخلد بنا إلى الأرض ، فحيث يكون الشيطان لا يكون الرحمن ، وحيث يكون النور لا تكون الظلمة ، ومناط كون هذا النور ، أو تلك الظلمة
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 175
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص١٧٥