واشتغال فريق من أبناء الأمة في هذا النوع من العمل واجب محتوم عليهم ما دام أمر معاشهم متوقفا عليه بحيث يستغنون به عن المسألة وإراقة ماء الوجه . ومهما يكن في طلب المعاش والكد في تحصيل الرزق من تعب ومشقة فإن التعرض لصدمات الناس وانتظار صلاتهم أشق على النفس وأصعب . جاء في الحديث الشريف : « لأن يأخذ أحدكم حبلا ، ثم يغدو إلى الجبل فيحتطب ، فيبيع فيأكل ويتصدق ، خير له من أن يسأل الناس » . بل إن الإمام الصادق عليه السّلام جعل المنفق من ماله على ناسك يعبد ربه أشد عبادة من ذلك الناسك .
روى المعلى بن خنيس عن أبيه عن الصادق عليه السّلام قال : « سأل أبو عبد اللّه عن رجل وأنا عنده ، فقيل أصابته الحاجة . قال : فما يصنع اليوم ؟ قيل : في البيت يعبد ربه .
قال : فمن أين قوته ؟ قيل : من عند بعض إخوانه . فقال أبو عبد اللّه : واللّه للذي يقوته أشد عبادة منه » . وكان عليه السّلام يجعل المعرض عن ابتغاء المال فاقدا للخير . روى عمرو بن جميع قال : « سمعت أبا عبد اللّه يقول : لا خير فيمن لا يحب جمع المال من الحلال ، يكف به وجهه ، ويقضي به دينه ، ويصل به رحمه » .
وأثنى الصحابة ذات يوم على رجل ، فقالوا : يا رسول اللّه ، إن فلانا يصوم النهار ويقوم الليل ويكثر الذكر . فقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : أيكم يكفيه طعامه وشرابه ؟ فقالوا : كلنا يا رسول اللّه . فقال : كلكم خير منه » .
فهذا يدل على أن الانقطاع للعبادة إذا كان يشوبه شيء من الضيق والحاجة إلى الناس ، لا يكون فضيلة دينية ما لم يعضدها فضيلة كسب المال والاستغناء به عما في أيدي الناس . وهكذا كان دأب الصحابة والسلف ، فهم يعتبرون الكسب وطلب الحلال من المال من مقتضيات المروءة التي لا مندوحة عنها .
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 180
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص١٨٠