لذلك يشترط في الصاحب خمس خصال : أن يكون عاقلا ، حسن الخلق غير فاسق ، ولا مبتدع ، ولا حريص على الدنيا .
أما العقل : فهو رأس المال ، وهو الأصل ، فلا خير في صحبة الأحمق فإلى الوحشة والقطيعة ترجع عاقبتهما وإن طالت . كيف والأحمق قد يضرك وهو يريد نفعك وإعانتك من حيث لا يدري .
قال الشاعر :
إني لآمن من عدو عاقل * وأخاف خلا يعتريه جنون
فالعقل فن واحد وطريقه * أدرى فأرصد والجنون فنون
ولذلك قيل : مقاطعة الأحمق قربان إلى اللّه . ونعني بالعاقل الذي يفهم الأمور على ما هي عليه ، إما بنفسه ، وإما إذا فهّم .
وأما حسن الخلق ، فلا بد منه ، إذ رب عاقل يدرك الأشياء على ما هي عليه ، ولكن إذا غلبه غضب أو شهوة أو بخل أو جبن ، أطاع هواه وخالف ما هو المعلوم عنده ، لعجزه عن قهر صفاته وتقويم أخلاقه فلا خير في صحبته .
وأما الفاسق المصر على الفسق فلا فائدة في صحبته ، لأن من يخاف اللّه لا يصر على كبيرة ، ومن لا يخاف اللّه لا تؤمن غائلته ولا يوثق بصحبته ، بل يتغير بتغير الأغراض ، قال اللّه تعالى :
وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ
« 1 » وقال تعالى :
فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ
« 2 » وقال تعالى :
فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَياةَ الدُّنْيا
« 3 » . وفي مفهوم ذلك زجر عن الفاسق .
وأما المبتدع : ففي صحبته خطر سراية البدعة وتعدي شؤمها إليه ، فالمبتدع مستحق للهجر والمقاطعة ، فكيف تؤثر صحبته ؟
وأما الحريص على الدنيا ، فصحبته سم قاتل ، لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء ، بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري صاحبه ، فمجالسة الحريص على الدنيا تحرك الحرص ، ومجالسة الزاهد تزهد في الدنيا ، فلذلك تكره صحبة طلاب الدنيا ، ويستحب صحبة الراغبين في الآخرة .
هامش
( 1 ) سورة الكهف ، الآية 28 .
( 2 ) سورة القصص ، الآية 87 .
( 3 ) سورة النجم ، الآية 29 .