نفسي ما أشك إلا أنه يخرج إلى ضيعة له أو ناحية من النواحي ، فوقعوا يومهم ذلك في تعب وكد ، فلما كان يوم خروج القافلة جاءني في السحر ، وقال : يا أبا فلان قم ، فإن القافلة تخرج الساعة وأكره أن تنفرد عنها ، فقلت في نفسي : ما أعطاني شيئا مما سألته ، ثم قمت فإذا هو وامرأته يحملان إلي خفاتين مقطوعة جددا ورانات وآلة السفر ، ثم جاءني بسيف ومنطقة فشدهما في وسطي ، ثم قدم البغل فحمل عليه الصناديق وفوقها مفرشين ، ودفع إلي نسخة بما في الصناديق ، وفيها خمسة آلاف درهم ، وقدم إلي الفرس الذي كان أنعله بسرجه ولجامه ، وقال لي : اركب وهذا الغلام الأسود يخدمك ويسوس دوابك ، وأقبل هو وامرأته يعتذران من تقصيرهما في أمري ، وركب معي فشيعني ، وانصرفت إلى بغداد وأنا على مكافأته ومجازاته ، فعاقنا عن ذلك ما نحن فيه من الشغل بالأسفار واتصالها والتنقل من مكان إلى مكان .
فلما سمع الرجل الحديث قال : قد أتاك اللّه عزّ وجلّ بمن تريد مكافأته بلا مؤنة عليك . فقلت : وكيف ذلك ؟ قال : أنا واللّه ذلك الرجل . ثم قال لي : أثبتك ، فتعرف إلي وأقبل يذكرني بأشياء يتعرف بها إليّ حتى أثبته وعرفته ، فما تمالكت أن قمت إليه فقبلت رأسه ، وقلت له : ما الذي أصارك إلى هذا ؟
فقال : هاجت فتنة بدمشق مثل الفتنة التي كانت في أيامك فنسبت إلي وبعث أمير المؤمنين بجيوش فأصلحوا البلد وحملت إليه وأمري عنده غليظ جدا ، وهو قاتلي لا محالة ، وقد خرجت من عند أهلي بلا وصية ، وقد تبعني من عبيدي من ينصرف إلى منزلي بخبري وهو نازل عند فلان ، فإن رأيت أن تنعم وتبعث إليه حتى يحضر فأتقدم إليه بما أريد ، فإذا أنت فعلت ذلك فقد جاوزت حد المكافأة لي . قال : فقال العباس :
يصنع اللّه . ثم قال : علي بحدادين فأتوا بهم فحل قيوده وما كان عليه من أنواع الأنكال ، ودعا بالحجام فأحضر وأخذ من شعره ، ثم قال : عليّ بمولاه فأنفذ في طلبه من يحضره ، قال الرجل : فلما أن أخذ شعري أدخلني الحمام فطرح علي من ثيابه ما اكتفيت به ، ثم حضر مولاي وقعد يبكي ، فقال العباس : علي بفرسي الفلاني والفرس الفلاني والبغل الفلاني حتى عد عشرا ، ثم قال : علي من الصناديق والكسوة بكذا ، ومن صناديق بكذا ، ثم أمر لي ببدرة فيها عشرة آلاف درهم وكيس فيه خمسمائة دينار ، وقال لصاحب شرطته : خذه واعبر به إلى جسر الأنبار . فقلت له : إن أمري غليظ وإن أنت احتججت بأني هربت بعث أمير المؤمنين في طلبي كل من على بابه فأرد وأقتل . فقال :
انج بنفسك ودعني أدبر أمري . فقلت : واللّه لا أبرح من بغداد أو أعلم ما يكون من
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 163
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص١٦٣