وما ذلك إلا لأن في مساءلة العلماء تهذيبا للنفس ، وتنويرا للعقل ، وزيادة في المعارف . وكذلك مخاطبة الحكماء فإن فيها اكتسابا للحكمة ،
وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً
« 1 » . ومجالسة الفقراء رياضة للنفس وتحليتها بالتواضع والتذلل ، والتأسي بهم في القناعة باليسير من حطام الدنيا ، والرضا بالقليل من متاعها ، وصيانة النفس عن الانهماك في شهواتها ولذاتها .
وسئل صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : أي الأصحاب أفضل ؟ فقال : « إذا ذكرت أعانك ، وإذا نسيت ذكرك » .
وقال في وصيته لأبي ذر ( ره ) : « يا أبا ذر لا تصاحب إلا مؤمنا » . وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
« أسعد الناس من خالط كرام الناس » . وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في صفة من يجب أن يؤاخى ويصاحب : « من عامل الناس فلم يظلمهم ، وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم ، فهو ممن كملت مروءته ، وظهرت عدالته ، ووجبت أخوّته » .
كل ذلك حتى يكتسب الإنسان منه هذه الصفات الحميدة ، لذلك قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
« المرء على دين خليله ، فلينظر أحدكم من يخالل » .
وقال أمير المؤمنين عليه السّلام : « لا تصحب إلا عاقلا تقيا ، ولا تخالط إلا عالما ذكيا ، ولا تودع سرك إلا مؤمنا وفيا » . وقال عليه السّلام : « واعلموا أن صحبة العالم واتباعه دين يدان به ، وطاعته مكسبة للحسنات ممحاة للسيئات ، وذخيرة للمؤمنين ورفعة في حياتهم ومماتهم ، وجميل الأحدوثة عند موتهم » .
وقال لكميل بن زياد النخعي : « يا كميل : قل الحق على كل حال ، ووازر المتقين واهجر الفاسقين ، يا كميل جانب المنافقين ولا تصاحب الخائنين ، يا كميل لا بأس أن تعلم أخاك سرا ، يا كميل من أخوك ؟ أخوك الذي لا يخذلك عند الشدة ، ولا يقعد عنك عند الجريرة ، ولا يخذلك حين تسأله » . وقال : « ولا تصحبن أبناء الدنيا ، فإنك إن أقللت استقلوك ، وإن أكثرت حسدوك » . وقال : « لا تصحبن من لا عقل له » . وقال :
« مصاحبة الأبرار توجب الشرف ومصاحبة الأشرار توجب التلف » . وقال : « لا تصحب المائق ، فإنه يزين لك فعله ويود أن تكون مثله » .
وهب أنك لا تتأثّر بأفكاره الفاسدة ومعتقداته الباطلة ، وأخلاقه السافلة ، ولكن لا شك أنه يؤثر على سمعتك ، ويشوه ذكرك ، قلا تذكر إلا معه . ولا يذكر إلا معك .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية 269 .