عثراتهم ومداراتهم ، وأن لا يحتجب عنهم ولا يهجرهم ، ويبسط لهم معروفه ، ويعاشرهم ببسط الكف وصدق الوعد ودوام العهد وحفظ الأسرار وإيثار الارفاق وقبول العذر واحتمال الأذى وصدق الوفاء ونشر المحاسن وستر المقابح ، وبذل النصيحة وقبولها منهم ، وأن يحب لهم ما يحبه لنفسه ، ويكرم كل واحد منهم على قدره ، ويسترسل معه على سجيته ، ويكون طوع أمره ونهيه ووفق قوله وفعله ، ويعود من مرض منهم ، ويشهد جنازة من مات منهم » .
الثامن : التخفيف وترك التكليف . وذلك بأن لا يكلف من يصحبه ما يشق عليه ، ولا يستمد منه من جاه ولا مال .
عن أحمد القلانسي ( وكان من مشايخ الجنيد ) قال : صحبت أقواما بالبصرة فأكرموني ، فقلت مرة لبعضهم : أين إزاري ؟ فسقطت عن أعينهم .
وعن أبي علي الرباطي قال : صحبت عبد اللّه المروزي ، وكان يدخل البادية قبل أن أصحبه بلا زاد فلما صحبته ، قال لي : أيما أحب إليك ، تكون أنت الأمير أم أنا ؟
فقلت : لا بل أنت الأمير . قال : وعليك الطاعة ؟ قلت : نعم . فأخذ مخلاة ووضع فيها الزاد وحملها على ظهره ، فإذا قلت له : أعطني حتى أحملها . قال لي : ألست أنا الأمير فعليك الطاعة ؟ قال : فأخذنا المطر ليلة ، فوقف على رأسي طول الليل إلى الصباح وعليه الكساء وأنا جالس يمنع عني المطر ، فكنت أقول في نفسي : ليتني مت ولم أقل له أنت الأمير ، ثم قال : إذا صحبك إنسان فاصحبه يا أخي كما رأيتني صحبتك ، أو انفرد .
وكان شرط إبراهيم بن أدهم مع من يصحبه أن تكون الخدمة والأذان له ، وأن تكون يده في جميع ما يفتح اللّه به عليهم من الدنيا كيدهم .
وعلى هذا الأساس نتخير الأصحاب ، ونرغب في الصحبة أو نزهدها ، وأول شرائط الصحبة الكريمة أن تبرأ من الأعراض ، وأن تخلص لوجه الحق ، وأن تولد وتكبر في طريق الإيمان والإحسان . وهذا هو معنى الحب للّه .
إن الإنسان إذا رسخ في فؤاده اليقين ، وخالطت بشاشة الإيمان قلبه وأحس بحلاوته في مذاقه ، أصبح ينظر للأحياء قاطبة على ضوء العقيدة التي تمحص لها . فهو يحب لمبدأ لا لشهوة ، ويكره لمبدأ لا لحرمان .
قد تتجمع القطعان على مورد عذب أو كدر . وقد يلتقي الناس على دنيا عارضة دائمة . وربما تأسست بينهم علاقات متينة . بيد أن هذا الضرب من التعارف والتواد لا
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 155
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص١٥٥