الحياة ، فهو الملاذ في الملمات ، وهو المرشد الأمين لطريق الحق وللنجاح في هذه الحياة ، فكثير من النابغين وعظماء الناس والمتفوقين في هذه الحياة يعزون سبب نجاحهم إلى أنهم وفقوا في اختيار قرين صالح ساروا على إرشاده واقتبسوا من نصحه .
وقد عني الإسلام بهذه الصحبة التي تربط الإنسان بأشخاص يؤثرون فيه ويتأثرون به ، ويقتربون من حياته اقترابا خطيرا لأمد طويل .
إن الصحبة إن بدأت ونمت نبيلة خالصة تقبلها اللّه وباركها ، وإن كانت رخيصة مهينة ردها في وجوه أصحابها .
الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ( 67 ) يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ
« 1 » .
إن الإسلام دين تجمع وألفة ، ونزعة التعرف إلى الناس والاختلاط بهم أصيلة في تعاليمه . وهو لم يقم على الاستيحاش ، ولا دعا أبناءه إلى العزلة العامة والفرار من تكاليف الحياة . ولا رسم رسالة المسلم في الأرض على أنها انقطاع في دير ، أو عبادة في صومعة . كلا كلا ، فإن الدرجات العالية لم يعدها اللّه عزّ وجلّ لأمثال أولئك المنكمشين الضعاف .
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم ، خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم » .
والإنسان يشعر في قرارة نفسه ، أنه محتاج إلى أصحاب تربطه بهم روابط وثيقة ، من تقارب طباع وتناسب أخلاق ، واتفاق مشارب ، كما أنها - أي الصحبة - تجعل الشخص محبوبا إلى كل إنسان ، مكرما في كل مكان ينزل به ، مثنيا عليه في المحافل ، بل كثيرا ما يلقى أناسا يهوى أن يكون بينه وبينهم قديم ود ، وسابق عهد ، ليجاذبهم الحديث ، ويغتنم شرف صحبتهم .
إن الصحبة التي تكون الحد الأعلى من المحبة والإيثار ، أمر مستصعب طمع إليه الفلاسفة فلم يبلغوه ، وفتشوا عنه فلم يجدوه ، وحاولوا خلقه وإبداعه فوقفوا حيارى عاجزين ، لأن للحياة فروضا وأحكاما فوق أحكام الفلاسفة . ولكننا نجد بين الحد الأعلى للصحبة ، وبين الحد الأدنى ، مراتب كثيرة نستطيع أن نصل إليها بقليل من الجهد ويسير من العناء ، ولا زالت الحياة ترضينا بأقل قليل مما نطلب ، وأيسر أمر مما
هامش
( 1 ) سورة الزخرف ، الآيتان 67 - 68 .