فالصحبة بصفتها أساس التضامن هي أساس العمران ، وسر تقدم الأمم ، فما كان لقوم - كل فرد منهم غير ذي إحساس بفكرة التضامن مع غيره من الأفراد - نصيب من السعادة والوفاء ، وهل كان الحظ غير مجموع نقط ؟ بل أوليس لسطح مجموع خطوط ؟
هكذا طبيعة التضامن في الأمم .
ويمكننا أيضا أن نعبر عنها بأنها معنى من معاني السعادة الفردية ، فإنك ليوليك سرورا ويملؤك جذلا أن تعلم أن هناك من يفرح بحق لفرحك ويألم لألمك ، بل من قد يؤثرك على نفسه ، وهل فوق هذا الشعور ما يحبب الحياة إلى الإنسان ويجعله يحرص على البقاء ؟
هذا ولنفهم أن الصحبة شيء آخر يختلف عن تلك الصور التي ألفناها ممن يحيط بنا من أدعياء الصحبة ، فليست الصحبة مدلولا لعبارات لحمتها الرياء ، ولا حنوا كاذبا ولا ثغرا باسما فوق أتون من الحقد ، بل هي حكمة ربانية في طيها أسرار الصدق والنبل والشهامة ، وأسمى مراتب التضحية .
ولقد عمت الشكوى من فقدان الصاحب الصالح ، وأصبح اليأس من وجوده أمرا مألوفا ، فإنك لا تسمع في المجالس عن ذكر الصاحب المخلص إلا كل متذمر لعدم وجود من هو كفؤ للصحبة ، وكذلك لا ترى على صفحات الجرائد والكتب إذا خاض كاتب في هذه القضية إلا مثالا لا يخرج عن حد الشكوى من فقدان الصاحب النزيه قد كتب فوقه بالقلم العريض : ( أين الصاحب ) ؟ فكأن الصاحب المطلوب خرافة من خرافات الأقدمين ، أو خاطر جاد به خيال شاعر عبقري أودع به الحسرة في قلوب الناس . وما كان الأمر كذلك ، بل إنما تلك الصورة الشعرية التي تكيفت بها إحساساتنا وامتلأت به عواطفنا من الوفاء المطلق والإيثار المحض ، هي التي جعلتنا نعتبر الصاحب اسما لغير مسمى ، إذ يتعذر علينا تحقيقه في الواقع ، بل هو جهلنا بطبائع النفوس الذي جعلنا نتلمس الصاحب في ديجور من خدعة العواطف فلا نعثر عليه .
وللصحبة بأبعد غايات الكلمة صفات الباحث عن الصحبة . ثم إنها تنقسم إلى قسمين قسم يجب أن يتصف به كلا المتصاحبين ، وقسم يجب أن يتصف به أحدهما دون الآخر ، وبقدر ما تتمشى هذه القاعدة الثابتة على حالة المتصاحبين كان الأمل ببقاء الصحبة كبيرا والوثوق بمتانة دعامتها عظيما والعكس بالعكس ولنضرب مثلا لكلتا
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 149
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص١٤٩