تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
الحالتين : الأولى : أنه لا يمكن أن تكون الصحبة مقيمة بين أديب مؤدب وغر رقيع بل لا بد لكي يتصاحبا صحبة صحيحة : من أن يشارك أحدهما الآخر في صفته . الثانية : أنه لا ينتظر أن تدوم الصحبة بين اثنين اتصفا بحدة الطبع ، بل لا بد من أن يكون أحدهما لين العريكة ، وإلا انفصمت عرى صحبتهما لأول خطوة ، وعلى هذين القياسين تتمشى كافة الطبائع والنزعات . ولما كانت هذه الحقائق لا ينفع في إدراكها القياس النظري عند الإحساس بالصحبة بين اثنين ، بل لا بد من التجربة العملية لمعرفة نصيبهما منها ، لذلك كانت التجربة هي القياس الوحيد لدرجة استعداد كل من الصاحبين لصحبة الآخر ، فإنه كلما طالت مدة الوفاق بين الأصحاب ، كان ذلك فألا حسنا يبشر بدوام الصحبة ، لأنه دليل على توفر الصفات المطلوبة في كل منهم . ولقد تعترض الصحبة في كافة أدوارها أمور تافهة تقضي في بعض الأحيان على ذلك الإحساس الشريف قضاء مبرما ، ولكن الضمانة الوحيدة التي تعترض لتلافي تلك ، هي التسامح والأناة وسعة الصدر وحسن التفاهم ، وإن أهمية اتخاذ الأصحاب كما قال أحد أباطرة الرومان : لا يضاهيها إلا أهمية الحرص عليهم . تاللّه ما حياة المرء بغير صاحب إلا كلفظ خلا من المعنى ، وما الحياة التي يرفرف عليها ملاك الصحبة إلا كالبيت العامر من الشعر يملأ مشاعر النفس ويملك الوجدان . بل ليس لامرىء أن يشكو مر الحياة ، وله صاحب يبدل من صور الأيام ، ويغير من طعم الليالي إذا مجتها الأذواق ، بل حسب المرء في الوجود نفس تنير لنفسه طريق الحياة ، وأن امرأ يشعر بفراغ عظيم في حياته لا يعرف له سببا وما سببه غير إحساسه الطبيعي بالصحبة . فللصحبة الخاصة إذن أثر عميق في توجيه النفس والعقل . ولها نتائج هامة فيما يصيب الجماعة كلها من تقدم أو تأخر ، ومن قلق أو اطمئنان . فالإنسان مولع بالتقليد ، فكما يقلد من حوله في أزيائهم ، يقلدهم في أعمالهم ، ويتخلق بأخلاقهم . قال حكيم « نبئني عمن تصاحب أنبئك من أنت » . إن مصاحبة الأخيار تغرس في النفس الأخلاق الطيبة ، وتدفعها إلى معالي الأمور . أما مصاحبة الأشرار فإنها تقود إلى الاستهانة بالأخلاق ، وتجرىء على اقتراف الآثام ، وتباعد بين الإنسان وبين القيام بالأعمال العظيمة ، فالصاحب الصالح يعتبر بحق أفضل نعم هذه