لا شيء يعمر القلوب بالسعادة والهناء ، ويضاعف من أفراحها إن كانت مسرورة مبتهجة ، ويبدد من أحزانها إن كانت بائسة يائسة . . . مثل الصحبة والأصحاب .
لا شيء أجمل وأثمن من الصحبة ، لأنها أعظم نعم الحياة عند من يفهم الحياة .
لا شيء أقوى وأمتن من الصحبة ، لأنها أرواح متآلفة متكاتفة بالذات لا بتوسط المشاركة في الدماء والأنساب .
لا شيء يغني عن الأصحاب أبدا حتى الجاه والمال ، وحتى النساء والعيال بل وحتى الصحة والأمان .
لا شيء يوازي الصحبة ، لأنها حب وولاء ، وتضامن واصطفاء ، وصدق وصفاء ، وتفاعل الروح مع الروح ، وانجذاب القلب للقلب ، واستجابة العقل للعقل .
ومن عاش بدون أصحاب فقد عاش في مفازة موحشة مظلمة ، وإن كان جنة تجري من تحتها الأنهار ، ومن عاش بهم فهو في نعيم اللّه والإنسانية ، وإن كان في قفر مخيف لا سبيل فيه ولا دليل .
فالإنسان بمعناه الإنساني ، وإن كثر ماله ، وامتد جاهه ، يظل يحس ويشعر أن في حياته فراغا ونقصا إذا فقد الأصفياء والأوفياء ، لأنهم يمنحون الحياة البهجة والمسرة .
وهي أيضا أهم الدعامات التي يشيد عليها بناء الوحدة الإسلامية ، فإنك لا يمكنك أن تتصور وجود التضامن بين أناس لم يكن الشعور بالصحبة أظهر مميزاتهم .
وهي نفسان تحابا حبا معتدلا ثابتا ، وتعاقدا على الوقوف جنبا لجنب حيال عاديات الدهر ، وتعاهدا على السير كتفا لكتف في طريق هذه الحياة .
ويبتدئ شعور الإنسان بالصحبة وهو في مهده ، فإن الطفل الصغير ليبتسم لمن يداعبه ويحنو عليه ، ويخفق فؤاده طربا لابتسامة والديه ، ولا تزال هذه العاطفة التي هي أساس الشعور بالصحبة تنمو بنموه إلى أن تصبح طبيعة ثانية ، فإن الإنسان حتى وهو على حافة القبر ليعلق قلبه بمن يوليه الجميل .
« وكل امرئ يولي الجميل محبب »