أولاده وقد ربطوا ثيابهم بثياب الكميت وقالوا له : إن أردت قتله فاقتلنا قبله . فلما نظر هشام إلى أولاد معاوية اغرورقت عيناه واستعبر باكيا ، وقالوا له : يا أمير ، إنه استجار بقبر أبينا وقد مات ومات حظه من الدنيا ، فاجعله هبة له ولنا ولا تفضحنا فيمن استجار بقبر أبينا . فبكى وقال : إني قد أجرته ، ونجا الكميت .
* * *
« هي في النار ، هي في النار »
قالها ( صلوات اللّه عليه ) لمن قال له : إن فلانة يا رسول اللّه تقوم ليلها وتصوم نهارها وتكثر من الصدقات ، ولكنها تؤذي جيرانها ، فقال عليه السّلام : « هي في النار . . . » يقول بعض أصحابه : ما زال عليه السّلام يوصينا بالجار حتى ظننا أنه سيورثه .
وقد كانت العرب في الجاهلية تتبارى في إكرام الجار ، في حمايته حتى عد ذلك من مزاياهم الخاصة ، وحتى قال شاعرهم الكريم حاتم يخاطب زوجته :
إذا ما وضعت الزاد فالتمسي له * أكيلا فإني لست آكله وحدي
أخا طارقا أو جار بيت فإنني * أخاف مذمّات الأحاديث من بعدي
فالإسلام لا يجب ما قبله من محاسن الأخلاق ، وإنما يقرّها ويعززها ، وكذلك ليس من فطرة الإسلام أن يقضي السجايا السيئة التي تتقوم بها الغرائز ، كسجية القتل بغير حق الذي كانوا يقترفونه بدافع الثأر أو الغضب .
أقول : ليس حجر هذا من طبع الإسلام ، وإنما طبع الإسلام على تحوير هذه السجايا وصرفها عن الباطل ثم توجيهها إلى الحق ، فالإسلام يدرك أن هذه السجايا ذخيرة حية خالدة وثمينة في العرب ، فأبقى عليها وعززها ، ثم وجهها إلى خير الإنسانية وفق نظامه العادل ودستوره الحي وناموسه الأعلى .
فالغضب الذي كان يستغله العربي في جاهليته لنفسه أو قومه أو وطنه ، بدافع الأنانية الجائرة ، أبقاه عليه ولكنه دفعه إلى العمل به لدينه أو ربه أو إنسانيته ، وهكذا أصبح الغزو المشروع في طبيعة العرب الجاهليين للانتقام ، أو العيش بالباطل ، أصبح غزوا مشروعا في الإسلام للدعوة إلى الحق ، أو الجهاد في سبيل الإنسانية وتعزيز الدين .
من هنا نصل إلى الخلق العربي القائم على حماية الجار وتعزيزه وإكرامه ،