شربهما فشرب همام وهو حذر خائف ، وشرب مهلهل شرب الآمنين ، فلما سكر مهلهل انصرف همام إلى أهله ، فساروا من ساعتهم إلى جماعة قومهم . وأما مهلهل فإنه لما صحا من سكره لم يرعه إلا النساء يصرخن وقد شقوا الجيوب وخمشوا الوجوه ، فجز شعره وقصر ثوبه وهجر النساء وترك اللعب والطرب ، وحرم القمار والشراب ، ثم جمع قومه وأرسل رجالا منهم إلى بني شيبان فأتوا مرة بن ذهل ( أبو جساس ) وهو في نادي قومه ، فقالوا له : إنكم أتيتم عظيما بقتلكم كليبا بناقة وقطعتم الرحم وانتهكتم الحرمة ، وإنا نعرض عليك خلالا أربعا ، لكم فيها مخرج ولنا مقنع : إما أن تحيي كليبا ، أو تدفع لنا قاتله جساس نقتله به ، أو همام ، فإنه كفؤ له ، أو تمكّنا من نفسك ، فإن فيك وفاء من دمه . فقال لهم : أما إحيائي كليبا فلست بقادر عليه ، وأما جساس فإنه غلام طعن طعنة ثم ركب فرسه فلا ندري أي البلاد احتوت عليه ، وأما همام فإنه أبو عشرة وأخو عشرة وعم عشرة ، كلهم فرسان قومهم ، فإن يسلموه أدفعه إليكم يقتل بجريرة غيره ، وأما أنا فهل هو إلا أن تجول الخيل جولة فأكون أول قتيل بينهما ، ولكن لكم عندي خصلتان :
أما إحداهما فهؤلاء أبنائي الباقون فخذوا أيهم شئتم بصاحبكم ، وأما الأخرى فأنا أدفع لكم ألف ناقة سود الحدق حمر الوبر . فغضب القوم وقالوا : لقد أسأت ، تبذل لنا صغار ولدك وتسومنا اللبن من دم كليب . ونشبت الحرب بينهم ودامت بين الفريقين أربعين سنة ، وفي كل هذه السنين تكون الغلبة لبني تغلب على وائل ، وقتل همام أخو جساس ، وكانت تغلب تطلب جساس أشد الطلب فقال له أبوه مرة : إلحق بأخوالك بالشام فامتنع ، فألحّ عليه وسيره سرا في خمسة نفر ، فبلغ الخبر مهلهل فندب أبا نويرة ومعه ثلاثون رجلا من شجعان أصحابه ، فساروا مجدّين فأدركوا جساسا فقاتلهم ، فقتل جساس أبا نويرة وأصحابه ولم يبق منهم غير رجلين ، وجرح جساس جرحا شديدا مات منه وقتل أصحابه فلم يسلم منهم سوى رجلين ، فعاد كل منهم ( من السالمين ) إلى أهله ، فلما سمع مرة بقتل ابنه جساس قال : إنما يحزنني أن لم يقتل منهم . فقيل له : إنه قتل بيده أبا نويرة رئيس القوم ، وقتل معه خمسة عشر رجلا ما شركه منا أحد في قتلهم .
فقال : ذلك مما يسكن قلبي . فلما قتل جساس دعا مرة مهلهل وقال له : إنك قد أدركت ثأرك وقتلت جساسا وهماما ، فاكفف عن الحرب ودع اللجاج والإسراف وأصلح ذات البين فهو أصلح للحيين . فلم يجب مهلهل إلى ذلك . فلما مضت على حربهم هذه السنون وكبر الصغير وهرم الكبير وفني الحيان وثكلت الأمهات ويتّم الأولاد ونائحة لا تزال تصرخ بالنواحي ، ودموع لا ترقأ ، وأجساد لا تدفن ، وسيوف
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 139
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص١٣٩