عليك وتهتز العمارة من هول تلك الجناية ولا يشعر جارك ؛ أو لا تحب أن يشعر بما يدور حولك .
كل ذلك عندهم يقع تحت المثل العربي القائل : ( من تدخل فيما لا يعنيه وقع فيما لا يرضيه ) ، فهم يعتبرون هذا المثل دستورا تقوم حياتهم عليه ، بينما نحن وضعنا هذا المثل ، وليس في بلاد العرب كلها عربي يعمل به أو يرى فيه ضرورة لحياته ، وعلى العكس نرى العربي عامة ، والمسلم خاصة ، يرى الدستور الأول والناموس الأعلى في قوله تعالى :
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا
« 1 » فالتعارف عندنا سنة طبيعية تقوم عليها حياتنا ، وأما عندهم ، فالحياة إنما تقوم على القوانين التي يحميها سلطانهم ويسهر عليها رجال الحكم فيهم . ذلك ما خبرته ، ولا بد فيهم من الشواذ ، والشاذ لا قياس عليه .
من هذا النادر : أن شخصا قد يألفك لأنك تعرضت لألفته فوجدت فيه ميزة التعارف ورب امرأة ألفتك لنظرة أعلقتها بجمالك أو مالك ، ورب شخص آخر أحس بمهنته السيئة ، أنك ثري ويريد أن يتقرب إليك في سبيل التحايل عليك لأنهم يعبدون المادة ، والتعارف بين الأشخاص عندهم للإنسانية أو للدين أو للأخلاق الفاضلة يكاد يكون مفقودا ، فلا تعارف إلا لمصالح مادية تجمع بين شركاء أو عملاء حتى إذا انتهت المعاملة أو الشركة انتهى التعارف ، أما الصداقة البريئة من المادة والتي يبني الشرقيون عامة والعرب والمسلمون خاصة عليها رابطة إنسانيتهم ، والتي يعززها الدين بقوله :
« المسلم أخو المسلم أحب أم كره » والتي أكدها الرسول بعد كتاب اللّه بأقواله وأعماله في مواطن كثيرة .
أقول : أما هذه الصداقة فليس لها أصل عندهم ولا فرع . لذلك تعززت عندهم الأنانية الشخصية ، إذ يرى الغربي نفسه قبل كل شخص ، والأنانية الجماعية إذ ترى كل أمة منهم عنصرها قبل كل عنصر لمجرد الشخصية والعنصرية ، وعلى هذا قام تناحرهم وتفانيهم في الحروب ، وعلى هذا سيقوم دمارهم آخر الأمر » « 2 » .
هامش
( 1 ) سورة الحجرات ، الآية 13 .
( 2 ) دين وتمدين .