« والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده » وقوله : « لا يؤمن المرء حتى يأمن الناس بوائقه » وأمثال هذا كثير في سيرته عليه السّلام .
كل ما مر بك هو من مميزات الإسلام التي فقدها العصر الحديث ، من أجل ذلك فقد بفقده الاطمئنان إلى الحياة ، إذ شغل الإنسان بحراسة نفسه من ظلم أخيه الإنسان وبطشه واستعباده عن التفرغ إلى الحياة الكريمة الهادئة الشريفة التي يعيش بها الإنسان مع أخيه كريما هادئا ، مطمئنا شريفا .
أذكر وأنا في مدينة السيارات ( ديترويت ) تحت سماء أميركا الشمالية ، مرت بي سيارة بعض المواطنين العرب ، في شارع تكاد هيبة الحياة وجلالها يكونان مفرغين على ذلك الشارع ، ولاحظت أن أكثر الأبنية فيه خال من أهله إلا الأشجار الباسقة والطيور المغردة ، فسألت مرافقي عن سبب ذلك فقال : إنه سوء الجوار بسبب الأنانية الطبقية والعنصرية ، ففيما يعتاد الناس هنا أن الغني لا يجاور فقيرا ، والأبيض لا يجاور أسود ، والنبيل لا يجاور صعلوكا ، ثم الرفيع لا يجاور وضيعا ، وقد شاء اللّه أن يثري بعض السود من هنود أمريكا ، وأن يبنوا أو يشتروا قصورا في هذا الشارع ، فتركه أهله البيض وأقفلوه كما ترى لسوء الجوار كما يزعمون .
من عادات العرب التي يمتازون بها ، احتفاؤهم بالنزيل إذا جاورهم ، فقد شهدت ذلك إذ زرت البداة ، ومكثت فيهم أكثر من عام ، فكنت أدعى أحيانا لو لائم ، وأسأل عن السبب في إقامتها فأجاب بأن جارا جديدا نزل في الحي ، وهذا الجار له حقان : حقّ على القبيلة أو الحي الذي ينزل فيه وحق على من لاصقت داره داره ، فالأول يدعى جار الحي أو القبيلة ، فعلى القبيلة أن تكرمه وتحميه إذا كان لاجئا . والثاني يدعى جار فلان ، فعلى فلان أن يكرمه ويحميه ، فهو إذ ذاك عزيز فيهم محترم بينهم ، كواحد منهم أو أعز .
ولا تزال هذه العادة جارية في العرب البداة حتى اليوم . وأما في بلاد الغرب فهم على عكس ذلك ، وخاصة في بريطانيا ، فإنك إن تنزل فيهم وتجاورهم يتعمدون اجتناب التعرف إليك ، ويفرون من مواجهتك والتحدث معك ، ولو قطعت حياتك فيهم فأنت غريب عنهم منكور لديهم ، وقد تجاور الشخص في شقة واحدة من العمارة يفتح بابه فيراك أو تفتح بابك فتراه ، وكذلك يحصل بين أهلك وأهله وأولادك وأولاده . وقد يستمر هذا الجوار أعواما كثيرة قد تستهلك حياتك وحياته ، ثم لا يكون بينك وبينه تعاون ولا تآلف ولا محاولة ذلك منه أو منك . وقد يحصل جناية في بيتك من لص عدا
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 144
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص١٤٤