تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
كالخلق الداعي لإكرام الضيف وحمايته ، والدفاع بالنفس والمال عن كل خلق كريم تأصل فيهم ، مثل الشجاعة والكرم والوفاء والحمية . وإكرام الجار يكاد يكون أحظى ما تبناه الإسلام في أهله من أخلاق الجاهليين ، لما فيه من توثيق عرى الصلة بين الإنسان والإنسان ، ولما فيه من وسائل التضامن والتآلف ، ومن شد أواصر المجتمع البشري ، لذلك اهتم به - صلوات اللّه عليه - فجعله ( أي حسن الجوار ) إحدى دعامات المجتمع التي يقوم عليها بناء الوجوب الإنساني ، ولقد كان - صلوات اللّه عليه - يربي في نفوس قومه عامة وأصحابه الأدنين وأهل بيته خاصة ، معاني الحياة الكريمة التي لا جفاء فيها ولا تنازع ، ولهذا قال اللّه تعالى :
إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً
( 33 ) « 1 » . ولقد كان صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يتفقد أصحابه إذا غابوا ، ويتعهدهم بتحببه وتودده إذا حضروا ، وقد سأل بعضهم ، وقد عادوا في تجارة لهم من الشام ، سألهم عما رأوا فقالوا : جاء معنا يا رسول اللّه رجل أتقى ما يكون يقوم الليل ويصوم النهار ، في جبهته كثفنة البعير من السجود لا يفتر عن ذكر اللّه . فقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وقد رأى في وجوههم تأثرا بالغا مما رأوا في هذا العابد ، وحسب أنهم لا يرون الدين إلا في مثل هذه الصفات ، فسألهم : ومن أين كان يأكل ؟ ؟ فقالوا : نحن أطعمناه وخدمناه . فقال : أنتم أفضل منه عند اللّه . يعلمهم بذلك أن الدين ليس قاصرا على الآخرة ، وإنما هو ثمرة الدنيا . وقد أثر نهجه هذا في توجيه أهل بيته من الأئمة الهداة المعصومين بعده ، فقد سأل الإمام بعضهم عن أصحابه فقالوا : قد أغلق عليه بابه وقال : لأعبدن اللّه حتى يأتيني رزقي . فسأل عليه السّلام مخبره : من أين يأكل ؟ ؟ فقال : إن بعض الجيران يتصدق عليه من نافذة صغيرة في جدار بيته . فقال عليه السّلام : « إن الذي يقوته أشد عبادة منه » . في هذا كله وأمثاله كثير تربية وتوجيه وتعاليم لنا ، كيف ندين للّه برسالة محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فليس الدين قاصرا على التهذيب الروحي فيما نعمل أو نقول ، ولكنه إلى ذلك توجيه عملي يضمن لنا الحياة الدنيا التي نجتازها إلى حياتنا الأخرى . فقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : هي في النار وإن صامت وإن برت وتصدقت ، من قبيل قوله : « لا صلاة لمن جاره المسجد » . وقوله في الحديث السابق : « أنتم أفضل منه » والحديث الذي تلاه . « الذي يقوته أشد عبادة للّه منه » . ومن قبيل قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الدين المعاملة »
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب ، الآية 33 .