يضل ربي ولا ينسى .
هذا التفكير هو الذي يوقف القوة الغضبية عند حدها من الشجاعة ، ولا يدعها تميل إلى الإفراط في التهور أو التفريط من الجبن ، وهو الذي يقود القوة الشهوية إلى الصلاح ، فلا يدعها تميل إلى الإفراط من الشره والبطر ولا إلى التفريط من الخمول والكسل ، وهو الذي يهذب القوة العاقلة ويمنعها أن تتردى في مساوي الجربزة ، أو تهوي في حضيض البله .
ومع ذلك ، فقد وردت في الشرع أحكام وآداب وأعمال تعين على حفظ تلك القوى وسلامة المزاج ، والسير بها إلى الصراط المستقيم والنهج القويم الذي يأمن معه المكلف من أليم العقاب وشديد العذاب ، ويحظى فيه بجزيل الأجر وعظيم الثواب ، وتنتظم به أمور الجامعة البشرية وأفرادها ، حتى تدرك السعادة في الدنيا والآخرة .
فمن تلك الأحكام والآداب التي أعارها الشرع أهمية كبرى ، حفظ الجار ورعاية حقوقه والقيام بواجبه وحرمة إيذائه والتعدي عليه ، وجعل حقه من أعظم حقوق الإنسانية .
* * * الجار بتخفيف الراء ، يجيء لمعان : منها الجنب القريب : وهو الذي يجاورك في المسكن ويميل ظل بيته إلى بيتك .
والجار الذي يجير غيره ( أي يؤمنه مما يخاف ) .
والجار يطلق على الشريف والحقير ، والزوج والزوجة ، والضرة ، والحليف ، والناصر ، والملاصق .
وقد عني الإسلام بحق الجار وجعله عظيما يكاد يكون من أعظم الحقوق الإنسانية . والتدليل عليه قول الرسول الأعظم محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ما زال جبرائيل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ، فمن قصر في حقه عداوة أو بخلا فهو آثم » .
وأمر الجليل ( جل وعلا ) بحفظه والقيام بحقه ، والوصاية برعي ذمته في كتابه وعلى لسان نبيه . ألا تراه سبحانه أكد ذكره بعد الوالدين والأقربين . فقال تعالى في الآية الخامسة والثلاثين من سورة النساء :
* وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ . . . .