تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨

تمهيد

الأعمال الاختيارية من الإنسان ، إنما تصدر عن بواعث النفس وميل القلب ، فإن كانت النفس زكية والقلب طاهرا نقيا ، صدرت من الإنسان أعمال الخير والصلاح ، وتجنب الشر والمكروه والفساد ، وإن كانت النفس خبيثة والقلب دنسا صدرت منه أعمال الشر وظهر منه الفساد ، ومع ذلك فليس من الخير أو الشر يصدر من الإنسان بفعل فاعل غيره ، وكل ما يصدر عن المكلف إنما هو باختياره ، ففاعل الشر يستطيع أن يفعل الخير ، وإن كانت نفسه أمارة بالسوء ، وفاعل الخير يقدر على فعل الشر ، وإن كانت نفسه مطمئنة راضية مرضية ، ولذلك استحق العقاب على الشر فاعله والثواب على الخير عامله . قال بعض علماء النفس : ( قد يكون الإنسان مجرما بالذات فاعلا للشر ، وإن لم يقصده لخبث نفسه ، وقد يكون محسنا بالطبع فاعلا للخير ، وإن لم ينوه به وذلك لطيب نفسه ) . واتبع بعض علماء الحقوق ورؤساء المحاكم هذا الرأي ، فدونوا العقوبات وحكموا بالأحكام الجزائية ، جريا على هذه القاعدة ، فإن أرادوا أن الإنسان قد يكون مجبولا على الشر ، بحيث لا يستطيع فعل الخير ، وقد يكون مقهورا على الخير بحيث لا يقدر على فعل الشر ، فهذا مما يأباه العقل والوجدان ، وتنفيه التجارب والاختبارات المعمولة في أصول التربية ، ويرده الطب والفسيولوجيا وأصول علم النفس وكل ما يبحث عن الدماغ والعصب من علم وفن . وإن أرادوا أن الإنسان قد يكون مائلا إلى الخير أكثر من الشر ، أو إلى الشر أكثر من الخير ، فذلك حق ولكن لا يوجب التفاوت في العقوبات والأحكام . وما قاله الأطباء من وجود غدد في الجسم تفرز مواد هرمونية ، تؤثر في توجيه الإنسان وسلوكه ، وقالوا : نستطيع أن نرتب الناس بحسب أمزجتهم ، فالمزاج