الأدرينالي للشخص الانفجاري الذي يمتاز بالنزوة والاندفاع ، والمزاج الدرقي للشخص الصبور المتجلد المثابر ، والمزاج النخامي للشخص الذكي المتزن ، وهذا الترتيب ناتج عن وجود تلك الغدد ، من جملتها الغدد المنوية التي تترتب عليها صفات الرجولة العضوية والمزاجية ، وكذا المبيضان بالنسبة للمرأة . وإن الغدة الدرقية الواقعة إلى جانبي قصبة العنق يؤدي نقص الإفراز منها إلى تعطل النمو وخمول الذهن ، وهي تزود الجسم بقوة المثابرة على الجهد . أما الغدتان الأدريناليتان الواقعتان فوق الكليتين ، فتزودان الجسم بالانبعاث الفجائي وقت الغضب أو الخوف . والغدة النخامية في أسفل المخ ، تؤثر في بقية الغدد ، وتدفع الإنسان للاتجاه في سلوكه وجهة معينة .
فنعلم من هذا أننا لا نتصرف في الحياة بالعقل فحسب ، ولكن بكل الجسم ، وفي الحقيقة أن العقل هو الضابط أو الحارس لأعمالنا واتجاهاتنا . فالأعمال الجسمية تؤثر على قلة وزيادة إفراز تلك الغدد ، كما يؤثر عليه التوجيه العقلي ، فللتربية والمحيط أثر كأثر الرياضة ، والمآكل والمشارب والصحة والمرض والراحة والتعب ، وما قالوه في هذا الصدد ، ليس معناه أن الإنسان مجبور على عمل الخير أو الشر المتولد من الغضب والشهوة والوهم ، بحيث لا يستطيع مخالفته والجري على خلاف مقتضاه ، بل معناه أن للتركيب الجسمي أثرا في ميول الإنسان إلى الشر أكثر من الخير ، أو إلى الخير أكثر من الشر ، ميلا لا يفقد معه الاختيار والقدرة على مخالفته ، وهذا الميل تؤثر فيه التربية والتفكير والمحيط وحمل النفس على ضده وترويضها والأكل والشرب والأعمال البدنية الأخرى ، فتخرجه عن اعوجاج الإفراط والتفريط إلى استقامة الاعتدال .
وقد ذكر علماء الأخلاق قديما ، وعلماء علم النفس حديثا ، طرقا لكسر هذا الميل وتوجيهه إلى الصراط المستقيم من فعل الخير في مورده والشر في محله ، ولكنهم لم يأتوا بالمفيد ، وخير الطرق لتوجيه الإنسان وجهة صحيحة في نفسه وقلبه وترويض روحه وهواه ، بحيث يكون تابعا لعقله ( غالبا ) على شهواته وغضبه غير مغلوب لهواه ووهمه ، هو ما ذكر في الشرع الشريف ونطق به القرآن المجيد وبينته السنة الصريحة الصحيحة ، وهو أن يكون الإنسان دائما مفكرا في عقاب اللّه على الشر وثوابه على الخير ، واطلاعه على ما يفعل الإنسان في السر والخفاء ، وأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها
ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها
« 1 » وكل ذلك علمه عند اللّه في كتاب لا
هامش
( 1 ) سورة هود ، الآية 56 .