تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
على ضوء هذه السيرة - سيرة النبي العطرة - ركز الإمام السجاد عليه السّلام سيرته النيرة مع الجليس ، بأسلوب سائغ من الإقناع والمحبة ، وتعليقة بالفضائل الجليلة ، استثارة إلى للسموّ والكمال . إن الإمام ( صلوات اللّه عليه ) يتحسس النفوس بين الحين والحين ، ليغسلها من أدران الحقد الرخيص ، وليجعلها حافلة بمشاعر أزكى وأنقى نحو الناس ونحو الحياة فتراه قائلا : « وحق جليسك أن تلين له . . . » فمداراة الجليس ومعرفة حقه دعامة ركينة في خلق المسلم ، وصبغة ثابتة في سلوكه . فقيام الإنسان والتزامه بحفظ حقوق جليسه ، أساس كرامته في الدنيا ، وسعادته في الآخرة . قال سعيد بن العاص : لجليسي عليّ ثلاث : إذا دنا رحبت به ، وإذا حدث أصغيت إليه ، وإذا جلس أوسعت له ، وقد قال تعالى :
رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
« 1 » إشارة إلى الشفقة والإكرام . كان القعقاع بن شور إذا جالسه رجل فعرفه بالقصد إليه جعل له نصيبا في ماله ، وأعانه على عدوه ، وشفع له في حاجته وغدا إليه بعد المجالسة شاكرا . وقسم معاوية يوما آنية فضة ، ودفع إلى القعقاع حظه منها ، فآثر به القعقاع أقرب القوم إليه . فقال :
وكنت جليس قعقاع بن شور * ولا يشقى بقعقاع جليس ضحوك السن إن نطقوا بخير * وعند الشر مطراق عبوس
فالإمام في هذه الفقرات اللامعة يضع بذور الود والإخاء ، فهو يدعو إلى لين الجانب مع الجليس ، وحسن الخلق والالتزام بأدب اللفظ واختياره معه ، وإنصافه وإعطاء حقه ، وأن يغض ويتجاوز عن أي كلام يصدر منه يشمّ منه رائحة الخشونة ويجتنب القسوة والغلظة ويبتعد عن العنف والشدة ، ويسلك معه الإيناس واللطف والمداراة والتجمل ، فيجتنب الصراحة إن كانت مؤلمة ، ويترك الحقيقة إن كانت منفرة ، ويبذل الجهد في الأسباب التي تقربه منه وتدنيه إليه . وإذا أراد الانصراف فعليه أن يستأذن منه ، فليس من أدب الإسلام أن ينصرف بدون استئذان ، فإنه يشعر منه عدم الاعتناء والاحترام ، وعدم الاهتمام بشأن الجليس ، وقد يؤدي إلى النفور والاشمئزاز بينهما فيؤدي إلى البعد .
هامش
( 1 ) سورة الفتح ، الآية 29 .