تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم » . وفي رواية : « إن المؤمن ليدرك بحسن الخلق درجات قائم الليل وصائم النهار » . وقال : « إن المسلم المسدد ليدرك درجة الصوام والقوام بآيات اللّه . بحسن خلقه وكرم طبيعته » . وقال : « كرم المؤمن دينه ، ومروءته عقله ، وحسبه خلقه » . وروى عنه أبو ذر ( ره ) : « قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان ، وجعل قلبه سليما ، ولسانه صادقا ، ونفسه مطمئنة ، وخليقته مستقيمة » . وحسن الخلق لا يؤسس في المجتمع بالتعاليم المرسلة ، أو الأوامر والنواهي المجردة ، إذ لا يكفي في طبع النفوس على الفضائل أن يقول المعلم لغيره : افعل كذا أو لا تفعل كذا ، فالتأديب المثمر يحتاج تربية طويلة ، وتعهدا مستمرا . ولن تصلح تربية إلا إذا اعتمدت على الأسوة الحسنة ، فالرجل السئ لا يترك في نفوس من حوله أثرا طيبا ، وإنما يتوقع الأثر الطيب ممن تمتد العيون إلى شخصه ، فيروعها أدبه ، ويسبيها نبله ، وتقتبس - بالإعجاب المحض - من خلاله ، وتمشي - بالمحبة الخالصة - في آثاره . بل لا بد - ليحصل التابع على قدر كبير من الفضل - أن يكون في متبوعه قدر أكبر ، وقسط أجلّ . وقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بين أصحابه مثلا أعلى للخلق الذي يدعو إليه فهو يغرس بين أصحابه هذا الخلق السامي ، بسيرته العاطرة قبل أن يغرسه بما يقول من حكم وعظات . وكان يقول : « خياركم أحاسنكم أخلاقا » . وعن أنس قال : خدمت النبي عشر سنين ، واللّه ما قال لي : أف قط ، ولا قال لشيء : لم فعلت كذا ، وهلا فعلت كذا ؟ وعنه : إن كانت الأمة لتأخذ بيد رسول اللّه فتنطلق به حيث شاءت . وكان إذا استقبله الرجل فصافحه ، لا ينزع يده من يده ، حتى يكون الرجل ينزع يده ، ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى يكون الرجل هو الذي يصرفه ، ولم ير مقدما ركبتيه بين يدي جليس له ، يعني أنه يتحفظ مع جلسائه فلا يتكبر ولا يطوي عن أحد بشره ولا خلقه . يتفقد أصحابه ويعطي كل جلسائه نصيبه ، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه . من جالسه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه ، فصار لهم أبا ، وصاروا عنده في الحق سواء .