تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
ما يتكلم منا متكلم ، إذ جاءه أناس فقالوا : من أحب عباد اللّه إلى اللّه تعالى ؟ قال : « أحسنهم خلقا » . وفي رواية : « ما خير ما أعطي الإنسان ؟ قال : خلق حسن » . وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إن الفحش والتفحش ليس من الإسلام في شيء ، وإن أحسن الناس إسلاما أحسنهم خلقا » . وسئل : « أي المؤمنين أكمل إيمانا » ؟ قال : « أحسنهم خلقا » وقال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ألا أخبركم بأحبكم إلي ، وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة ؟ - فأعادها مرتين أو ثلاثا - قالوا : نعم يا رسول اللّه . قال : أحسنكم خلقا » . وقال : « ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن ، إن اللّه يكره الفاحش البذيء . وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة » . هذا التصريح لو صدر عن فيلسوف يشتغل بشؤون الإصلاح الخلقي فحسب لما كان مستغربا منه ، وجه العجب أن يصدر عن مؤسس دين كبير ، والأديان - عادة - ترتكز في حقيقتها الأولى على التعبد المحض . ونبي الإسلام صلّى اللّه عليه وآله وسلّم دعا إلى عبادات شتى ، وأقام دولة ارتكزت على جهاد طويل ضد أعداء كثيرين . فإذا كان - مع سعة دينه وتشعب نواحي العمل أمام أتباعه - يخطرهم بأن أرجح ما في موازينهم يوم الحساب ، هو الخلق الحسن فإن دلالة ذلك على منزلة الخلق في الإسلام لا تخفى . . . والحق أن الدين إن كان خلقا حسنا بين إنسان وإنسان ، فهو - في طبيعته السماوية - صلة حسنة بين الإنسان وربه ، وكلا الأمرين يرجع إلى حقيقة واحدة . إن هناك أديانا تبشر بأن اعتناق عقيدة ما ، يمحو الذنوب ، وإن أداء طاعة معينة يمسح الخطايا . لكن الإسلام لا يقول هذا ، إلا أن تكون العقيدة المعتنقة محورا لعمل الخير ، وأداء الواجب ، وأن تكون الطاعة المقترحة غسلا من السوء ، وإعدادا للكمال المنشود ، أي إنه لا يمحق السيئات إلا الحسنات التي يضطلع بها الإنسان ويرقى صعدا إلى مستوى أفضل . وقد حرص النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم على توكيد هذه المبادئ العادلة حتى تتبينها أمته جيدا ، فلا تهون لديها قيمة الخلق ، وترتفع قيمة الطقوس . قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة ، وأشرف المنازل - وإنه لضعيف العبادة - وإنه ليبلغ بسوء خلقه أسفل درجة في جهنم » . وقال : « إن