بدينهم وإطاعتهم لأوامر مشرعهم واقتدائهم بأئمتهم ، تستولي على كل من يكيد للإسلام ويناوئه الرهبة منهم . وهذه وقعة القادسية تقدمت فيها جيوش الفرس ، والفرس يومئذ مستولون على الشرق وما العرب إلا مستعمرة صغيرة من مستعمراتهم ، وأخذوا يستهزئون بكتاب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم مذ دعاهم إلى الإسلام أو الجزية وإلا إعلان الحرب ، فقد حدثنا التاريخ أن كسرى أبرويز بن هرمز لما جاءه كتاب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، مزقه واستخف به وأمر بإخراج رسول النبي بعد ما حمله وقرا من التراب فأثقلوه وقرا من التراب على رأسه وساقه حتى أخرجه وقال : سأكتب إلى رستم أن يدفنه وجنده بالخندق ، وبعث القائد ( رستم ) عيونا إلى جيش الإسلام فانغمسوا فيه من أجل الاطلاع على عددهم وعدتهم ، فرأوهم يقفون صفوفا - وكان عدد المسلمين سبعين ألفا - يتقدمهم قائدهم فيركع ويركع معه سبعون ألفا ويسجد ويسجد معه سبعون ألفا ، ويقوم ويقومون معه فظنت ربايا الفرس أن هذه رياضة حربية ، فذهلوا من وحدة المسلمين وتآلفهم ، ولما فرغوا جعلوا يستاكون بعود الأراك ثم ينتشرون إلى مواقفهم ، فرجع هؤلاء إلى القائد الفارسي وأخبروه بخبرهم متعجبين من تألفهم وطاعتهم لقوادهم ، وكبرائهم ، فسأل القائد عن طعامهم ، فقالوا : مكثنا فيهم ليلة ما رأينا أحدا يأكل شيئا إلا أنهم يمصّون عيدانا لهم حين يمسون وحين يصبحون ، فذهل القائد وجعل يصيح كالمذهول من شدة تعجبه ، واستولى الرعب على الفرس فكان كلما تقدم المسلمون الأشاوس في جبهة من الجبهات تصايح الفرس : ( ديوانهها امدند ) أي جاء المجانين » .
وفي كتابنا ( نزهة الخاطر ) تحت عنوان ( حكمة تشريع صلاة الجماعة ) ما نصه :
« إن الدين الإسلامي الحنيف ، دين اجتماع وائتلاف ، دين سلام ووداد ، دين سعادة ووئام ، ولأجل هذه الغاية السامية فقد شرّع صلاة الجماعة لأمور نذكر منها ما بلغ إليه العقل البشري ، ونترك ما لم نصل إليه إلى الزمن ، فنقول : أراد الشارع بها :
1 - استيلاء عظمة اللّه تعالى على النفوس ، وأخذ رهبته بمجامع القلوب بما تحدثه هيئة المصلين وقيامهم في صعيد واحد للعبادة .
2 - ظهور جماعة المسلمين مظهر القوة والشوكة بهذه الاجتماعات المتكررة التي تنبىء بائتلافهم ووحدتهم مما يدعو إلى تعظيم أمر الدين ورجوع مناوئيه بالخيبة والخسران .
3 - تنبيههم إلى الانتظام في أمورهم والاعتدال في أعمالهم بطاعتهم للإمام في الصلاة ، وما يرونه من استقامة صفوفهم واتحادهم في تلك المتابعة .
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 108
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص١٠٨