ويلاحظ أن هذه الحكم لا يمكن أن تتحقق إلا إذا أقبل المصلي على صلاته بوعي كامل ويقظة تامة ، وتأمل حقيقي في أقوال الصلاة وأفعالها .
في ظل المجتمع يتلقى المسلمون أيضا درسا عمليا في النظام ، من وحدة الشعور وتوحيد المشاعر ، والمفاداة في سبيل نصرة الحق والاعتزاز بالدين والتمرين على النظام الإلهي ، والطاعة والانقياد للإمام ، ( كجيش مرابط ) فليس لهم أن يقفوا كيفما اتفق ، ولكن الشارع يفرض أوضاعا دقيقة لا تستطيع المدنية أن تتحداها مهما طال عليها العمر .
وبالتالي يقف هذا المجتمع المنظم ليتدرب مرة ثالثة على الطاعة ، وليراقب بسمعه وبصره تصرفات إمامه وحركاته ، فيتابعه غير متقدم ولا متراخ .
في هذا الجو من الوحدة والطاعة والنظام ، والتناسق والإقبال والصفاء ، يطرق الهدي الإلهي باب القلب المؤمن فيملأه رحمة ونورا ، ويطرق العمل الإنساني باب الرب العلي فيتقبله غفورا شكورا .
فإمام الجماعة بهذا الاعتبار ، كالقائد الحربي أو غير الحربي عند الناس ، فهو يقود المصلين لا إلى حرب ، ولا إلى عداء ، ولا إلى ظلم وجور ، إنما يقودهم إلى منبع القوة ومصدر الإرادة ، إلى المرجع والمنتهى ، يقودهم إلى اللّه ، يقودهم - وهو كأحدهم - إلى مغفرة من اللّه ورحمة ، إلى خير كثير وغنم عظيم .
وهو أيضا سفير بين اللّه وبين عباده ، الذين أنابوا إليه وأخبتوا ، على حد تعبير الإمام ( صلوات اللّه وسلامه عليه ) بقوله : « فأن تعلم أنه قد تقلد السفارة فيما بينك وبين اللّه » .
والجماعة التي يترأسها الإمام ، إنما هي في الحقيقة وفد إلى اللّه سبحانه ، يقول عليه السّلام : « والوفادة إلى ربك » . وهذا الوفد إنما يتكلم بلسان الإمام والقائد وإنما يقدم طلبا بلسان الإمام ، ويدعو ويرجو ويسأل بلسان الإمام ، فالإمام ممثل لهذا الوفد المؤلف من هذه الجماعة ، وهو الذي يقود الجماعة وعليه تبعتها ، وهو الذي يقي بنفسه نفوس الجماعة ، كل ذلك يقوم به الإمام . فيجب حينذاك شكره والثناء عليه ما وسع ذلك . يقول عليه السّلام : « فتشكر له على قدر ذلك » .
ويمكن أن يستفاد من قوله تعالى :
وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ
« 1 » - أي أدوا الصلاة
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية 43 .