إن خذلان المسلم شيء عظيم ، وهو - إن حدث - ذريعة خذلان المسلمين جميعا ، إذ سيقضي على خلال الإباء والشهامة بينهم ، وسيرضخ المظلوم طوعا أو كرها لما وقع به من ضيم . . . ثم ينزوي بعيدا وتتقطع عرى الأخوة بينه وبين من خذلوه .
وقد هان المسلمون أفرادا . وهانوا أمما يوم وهت أواصر الأخوة بينهم ونظر أحدهم إلى الآخر نظرة استغراب وتنكر ، وأصبح الأخ ينتقص أمام أخيه فيهز كتفيه ويمضي لشأنه كأن الأمر لا يعنيه ! .
إن هذا التخاذل جرّ على المسلمين الذل والعار . وقد حاربه الإسلام حربا شعواء ، ولعن من يقبعون في ظلاله الداكنة الزرية .
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لا يقفن أحدكم موقفا يضرب فيه رجل ظلما ، فإن اللعنة تنزل على من حضره حين لم يدفعوا عنه » فإذا رأيت أن إساءة نزلت بأخيك أو مهانة وقعت عليه فأره من نفسك الاستعداد لمظاهرته ، والسير معه حتى ينال بك الحق ويرد الظلم .
روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من مشى مع مظلوم حتى يثبت له حقه ثبت اللّه قدميه على الصراط يوم تزل الأقدام » .
وهذا الواجب العظيم يزداد تأكدا إذا كنت ذا جاه في المجتمع أو صاحب منصب تحفه الرغبة والرهبة . . . إن للجاه زكاة تؤتى كما تؤتى زكاة المال ، فإذا رزقك اللّه سيادة في الأرض أو تمكينا بين الناس ، فليس ذلك لتنتفخ بعد انكماش أو تزهى بعد تواضع ، إنما يسّر اللّه ذلك ليربط بعنقك حاجات لا تقضى إلا عن طريقك ، فإن أنت سهلتها قمت بالحق المفروض ، وأحرزت الثواب الموعود ، وإلا فقد جحدت النعمة وعرضتها للزوال .
روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إن للّه عند أقوام نعما أقرها عندهم ما كانوا في حوائج المسلمين ، ما لم يملوهم ، فإذا ملوهم نقلها إلى غيرهم » .
وجاء عن الإمام الحسين عليه السّلام أنه قال : « حوائج الناس إليكم من نعم اللّه عليكم ، فلا تملوا النعم فتعود نقما » .
واستخدام المرء جاهه لنفع الناس ومنع أذاهم ينبغي أن يتم في حدود الإخلاص والنزاهة ، فإن فعل أحد ذلك لقاء هدية ينتظرها فقد أجره عند اللّه .
* * *
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 477
مساهمون: السيد حسن القبانچي
ص٤٧٧