كانت المدينة التي احتضنت الإسلام ومجدت كلمته ، تقيم العلاقات بين القاطنين والوافدين على التباذل في ذات اللّه ، والإيثار عن سماحة رائعة والمساواة بين الأنساب والأجناس ، وتبادل الاحترام والحب ، وإشاعة الفضل وتقديس الحق ، وإسداء المعروف عن رغبة فيه لا تكليف به .
قال اللّه عز وجل :
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
« 1 » .
وهذه علائم الإخاء الصحيح ، إخاء العقيدة الخالصة لوجه اللّه ، لا إخاء المنافع الزائلة ، ولا إخاء الغايات الدنيا . وكانت تعاليم الإسلام ترعى هذا الإخاء حتى لا يعدو عليه ما يكدره ، فلا يجوز لمسلم أن يسبب لأخيه قلقا أو يثير في نفسه فزعا .
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « من أشار إلى أخيه بحديدة ، فإن الملائكة تلعنه حتى ينتهي ، وإن كان أخاه لأبيه وأمه » .
وبهذه الوصايا كانت الأخوة تأمينا شاملا ، بث في أكناف المجتمع السّلام والطمأنينة . . . .
ومما اتخذه الإسلام لصيانة الأخوة العامة ، ومحو الفروق المصطنعة وتوكيد التكافؤ في الدم والتساوي في الحق ، إشعار العامة والخاصة بأن التفاخر بالأنساب باطل . لأن أبوّة آدم لفت أعقابه كلهم في شعار فذ ، فما يفضل أحد صنوه إلا بميزة يحرزها لنفسه بكده وجده ، فمن لا امتياز له بعمل جليل لم ينفعه أسلافه ولو كانوا ملوك الآخرة . . .
قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إذا كان يوم القيامة أمر اللّه مناديا ينادي : ألا إني جعلت نسبا ، وجعلتم نسبا ، فجعلت أكرمكم أتقاكم ، فأبيتم إلا أن تقولوا فلان ابن فلان ، فاليوم أرفع نسبي وأضع أنسابكم ! ! » .
وهذا مصداق قوله تعالى :
فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ
( 101 ) « 2 » .
والغريب أن عادة العرب في الإعلاء بالنسب والازدهاء بالأبوة غلبت في مجتمعهم تعاليم الإسلام ، فكان ذلك من أسباب الفتوق الخطيرة في ماضينا وحاضرنا .
هامش
( 1 ) سورة الحشر ، الآية 9 .
( 2 ) سورة المؤمنون ، الآية 101 .