واللّه عز وجل رد أنساب الناس وأجناسهم إلى أبوين اثنين ، ليجعل من هذه الرحم الماسة ملتقى تتشابك عنده الصلات وتستوثق .
يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
( 13 ) « 1 » .
فالتعارف - لا التنافر - أساس العلائق بين البشر ، وقد تطرأ عوائق تمنع هذا التعارف الواجب من المضي في مجراه ، وإمداد الحياة بآثاره الصالحة .
وفي زحام البشر على موارد الرزق ، وفي اختلافهم على فهم الحق وتحديد الخير قد يثور نزاع ويقع صدام ، بيد أن هذه الأحداث السيئة لا ينبغي أن تنسي الحكمة المنشودة من خلق الناس وتعمير الأرض بجهودهم المتناسقة .
وكل رابطة توطد هذا التعارف وتزيح من طريقه العوائق فهي رابطة يجب تدعيمها ، والانتفاع بخصائصها . وليس للإسلام رابطة تجمع بين عدد قل أو كثر من الناس فحسب ، ولكنه جملة الحقائق التي تقر الأوضاع الصحيحة بين الناس وربهم ، ثم بين الناس أجمعين .
ومن ثم فأصحاب الإسلام وحملة رسالته يجب أن يستشعروا جلال العقيدة التي شرح اللّه بها صدورهم ، وجمع عليها أمرهم ، وأن يولوا التعارف عليها ما هو جدير به من عناية وإعزاز . . . إنه تعارف يجدد ما درس من قرابة مشتركة بين الخلق ، ويؤكد الأبوة المادية المنتهية إلى آدم بأبوة روحية ترجع إلى تعاليم الأديان الملخصة في رسالة الإسلام ، وبذلك يصير الدين الخالص أساس أخوة وثيقة العرى ، تؤلف بين أتباعه في مشارق الأرض ومغاربها وتجعل منهم - على اختلاف الأمكنة والأزمنة - وحدة راسخة الدعامة سامقة البناء ، لا تنال منها العواصف الهوج .
هذه الأخوة هي روح الإيمان الحي ولباب المشاعر الرقيقة التي يكنها المسلم لإخوانه ، حتى إنه ليحيا بهم ويحيا لهم ، فكأنهم أغصان انبثقت من دوحة واحدة أو روح واحدة حلت في أجسام متعددة .
إن الأثرة الغالبة آفة الإنسان وغول فضائله ، إذا سيطرت نزعتها على امرئ محقت خيره ونمت شره ، وحصرته في نطاق ضيق خسيس لا يعرف فيه إلا شخصه ولا يهتاج بالفرح أو الحزن إلا لما يمسه من خير أو شر . أما الدنيا العريضة والألوف المؤلفة
هامش
( 1 ) سورة الحجرات ، الآية 13 .