وهناك رذائل حاربها الإسلام لأنها تناقض آداب الأخوة وشرائطها .
إن القاعدة التي تسوى بها الصفوف تسوية ترد المتقدم إلى مكانه ، وتقدم المتأخر عن أقرانه هي الأخوة . فإذا نشب نزاع أو حدث هرج ومرج طبقت قوانين الإخاء على الكافة ونفذ حكمها .
إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
( 10 ) « 1 » .
وقد حذر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من هذه الرذائل في حديثه الجليل ، وهي رذائل تبدو للنظر القاصر تافهة الخطر ، غير أنها لمن تدبر عواقبها تصدع القلوب ، وتجفف عواطف الود منها :
قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ، ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد اللّه إخوانا كما أمركم اللّه تعالى . . . » ، « المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره » ، « حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم » ، « كلّ المسلم على المسلم حرام ماله ودمه وعرضه . . . » ، « إن اللّه لا ينظر إلى صوركم وأجسادكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم . . . وكونوا عباد اللّه إخوانا » ، « ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث » .
في المجتمع المتحاب بروح اللّه الملتقي على شعائر الإسلام ، يقوم إخاء العقيدة مقام إخاء النسب ، وربما ربت رابطة الإيمان على رابطة الدم . . . والحق أن أواصر الأخوة في اللّه هي التي حمت الإسلام أول أمره ، وأقامت دولته ، ورفعت رايته ، وعليها اعتمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في تأسيس أمة صابرت هجمات الوثنية الحاقدة وسائر الخصوم المتربصين ، ثم خرجت بعد صراع طويل وهي رفيعة العماد وطيدة الأركان ، على حين ذاب أعداؤها وهلكوا .
إن الأمور تذكر بأضدادها . وفي عصرنا هذا يذكرنا تجمع اليهود حول باطلهم وتطلعهم إلى إقامة ملك لهم ، ومجيئهم من المشرق والمغرب نافرين إلى الأرض المقدسة ، تاركين أوطانهم الأولى وما ضمت من ثروات وذكريات .
ويذكرنا هذا الانبعاث عن عقيدة باطلة بالانبعاث الأغر الذي وقع منذ أربعة عشر قرنا ، حين يمم المسلمون من كل فج شطر ( يثرب ) وهاجروا من مواطنهم الأولى إلى الوطن الذي اختاروه ليقيموا فيه أول دولة الإسلام . . . .
هامش
( 1 ) سورة الحجرات ، الآية 10 .