تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 476

مساهمون:

ص٤٧٦
عبد اللّه عز وجل تسعة آلاف سنة صائما نهاره قائما ليله » . وهذا الحديث يصور إعزاز الإسلام لعلائق الإخاء الجميل ، وتقديره العالي لضروب الخدمات العامة ، التي يحتاجها المجتمع لإرساء أركانه وصيانة بنيانه . لقد آثر الإمام عليه السّلام أن يدع اعتكافه ، والاعتكاف عبادة محضة رفيعة الدرجة عند اللّه لأنها استغراق في الصلاة والصيام والذكر ، ثم هو في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حيث يضاعف الأجر ألف مرة فوق المساجد الأخرى . ومع ذلك ، فإن جوهر الإسلام جعله يدع ذلك ليقدم خدمة إلى مسلم يطلب العون . هكذا تعلّم من رسول اللّه . . . * * * إن أعباء الدنيا جسام تنزل بالناس كما يهطل المطر فيغمر الخصب والجدب . والإنسان وحده أضعف من أن يقف طويلا تجاه هذه الشدائد ، ولئن وقف ، إنه لباذل من الجهد ما كان في غنى عنه لو أن إخوانه هرعوا لنجدته وظاهروه في إنجاح قصده . وقد قيل : « المرء قليل بنفسه كثير بإخوانه » . ومن حق الأخوة أن يشعر المسلم بأن إخوانه ظهير له في السراء والضراء ، وأن قوته لا تتحرك في الحياة وحدها ، بل إن قوى المؤمنين تساندها وتشد أزرها . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا » . ومن ثم كانت الأخوة الخالصة نعمة مضاعفة ، لا نعمة التجانس الروحي فحسب ، بل نعمة التعاون المادي كذلك . وقد كرّر اللّه عز وجل ذكر هذه النعمة مرة ومرة في آية :
وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً
« 1 » . وأخوة الدين تفرض التناصر بين المسلمين ، لا تناصر العصبيات العمياء بل تناصر المؤمنين المصلحين لإحقاق الحق وإبطال الباطل ، وردع المعتدي وإجازة المهضوم ، فلا يجوز ترك مسلم يكافح وحده في معترك ، بل لا بد من الوقوف بجانبه على أي حال : لإرشاده إن ضل ، وحجزه إن تطاول ، والدفاع عنه إن هوجم والقتال معه إذا استبيح . . . وذلك معنى التناصر الذي فرضه الإسلام . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « انصر أخاك ظالما أو مظلوما ، قال : أنصره مظلوما فكيف أنصره ظالما ؟ قال : تحجزه عن ظلمه فذلك نصره » .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، الآية 103 .
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 476 | السيد حسن القبانچي