شرف أسرته ، وليكن على الدوام معهم في وفاق واتحاد ، لا في نزاع واختلاف ، ليعيش معهم في راحة ومسرة وهناء : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « مثل الأخوين مثل اليدين تغسل إحداهما الأخرى » « 1 » .
والخلاصة : يجب محبة الإخوة ، وحسن معاملتهم واحترام كبيرهم ، والرفق بصغيرهم ، ومساعدتهم على نيل رغباتهم ، ومخاطبتهم بالأدب واللطف ، ومجاملتهم والسعي في خيرهم وحفظ أسرارهم ، والابتعاد عن مخاصمتهم ومنازعتهم والاجتهاد في توثيق عرى الألفة والاتحاد بينهم .
لما ولد لسعيد بن العاص عمرو وترعرع ، تفرس فيه النجابة ، وكان يفضله على ولده ، فجمع بنيه - وكانوا يومئذ أكثر من خمسة عشر رجلا - ولم يدع عمرا معهم ، وقال : يا بني ، قد عرفتم خبرة الوالد بولده ، وإن أخاكم عمرا لذو همة واعدة ، يسمو جده ، ويبعد صيته ، وتشتد شكيمته ، وإني آمركم إن نزل بي من الموت ما لا محيص عنه أن تظاهروه وتوازروه وتعززوه ، فإنكم إن فعلتم ذلك يتألف بكم الكرام أو يخسأ عنكم اللئام ، ويلبسكم عزا لا تنهجه الأيام . فقالوا جميعا : إنك تؤثره علينا ، وتحابيه دوننا . فقال : سأريكم ما ستره البغي عنكم ، وصرفهم ، ثم أمهلهم ، حتى ظن أن قد ذهلوا عما كان .
وراهق عمرو البلوغ ، واستدعاهم دونه ، فلما حضروا قال : يا بني ، ألم تروا إلى أخيكم عمرو ، فإنه لا يزال يلحف في مسألتي مالي ، فأحسن عليه لصغره ، إلى أن استثبت أن أمه باغيته على ذلك ، فزجرتها فلم تكف ، وقد جاء يسألني الصمصامة كأن لا ولد لي غيره ، وقد عزمت على أن أقسم مالي فيكم دونه ! فقالوا كلهم : يا أبانا ، هذا عملك بإيثارك له علينا ، واختصاصك إياه دوننا .
فقال : يا بني ، واللّه ما آثرته دونكم بشيء من مالي قط ، وما كان ما قلته لكم إلا اختلاقا ، تساهلت فيه لما أملته من صلاح أمركم . ثم قال : ادخلوا المخدع ، فدخلوا ، ثم أرسل إلى عمرو فأحضره ، فلما حضر قال : يا بني إني عليك حدب مشفق لصغر سنك ، ونفاسة اخوتك على مكانك مني ، وإني لا آمن بغتة الأجل ، ولي كنز ادخرته لك دون إخوتك ، وها أنا ذا مطلعك عليه فاكتم أمره .
فقال : يا أبت ، طال عمرك ، وعلا أمرك ، وإني لأرجو أن يطيل بك الامتاع ، فأما
هامش
( 1 ) إحياء العلوم للغزالي .