تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع ) — صفحة 444

مساهمون:

ص٤٤٤
فالإنسانية التي يدعو إليها محمّد في كلمته بصدر هذا البحث تعني الوسط بين هؤلاء وهؤلاء لا إلى الهزل كل الهزل ، ولا إلى الجد كل الجد . عقيدتي أن السنوات السبع الأولى من حياة الإنسان يجب أن يكون قاصرا فيها على اللعب واللهو والمرح والانطلاق والرياضة ، ثم إذا تعدى في لعبه الطور المباح له فأصبح إلى الضرر أقرب منه إلى النفع ، وجبت رعايته بما يرده عن لهوه وإرشاده بالحسنى إلى اللعب المباح ، وليكن حرص أبيه بالغا في أن يرعاه بالعنف كي لا ينشأ ذليلا مهانا ، فإن التعليم في الصغر كالنقش على الحجر ، لا يزول من النفس بزوال الصبا ، ومن هنا قال الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « لاعب ولدك سبعا . . . » يعني علمه اللعب ، والعب معه في بيتك أو في مكان تكون أنت وهو معك حرا . فملاعبة الرجل ولده أو رعايته وهو يلعب مع لداته ، تلك هي التربية الرياضية الصحيحة ، وإليها يفتقر الإنسان في طفولته ويطمئن إلى رجولته فيما بعد ، ثم يأتي دور التأديب ، وكلمة التأديب تحمل في طيها التعليم ، لأن الأدب علم ، وقوة ، وإلمام بهما ، حتى إذا نشط الغلام إلى السبع الأخيرة ، وقد أخذ بمبادىء العلوم والآداب والفنون جاء دور التثقيف والتدريب على الحياة بحيث لا ينتهي من هذا الدور إلا وهو حاذق خبير في تطبيق العلوم على الحياة ، وأصبح مؤهلا للعمل بعلمه ، وكان جديرا بالحياة الحرة النزيهة في مجتمعه . ويقول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعد ذلك : « صاحبه سبعا » ومعنى هذا هو تطبيق العلم على الحياة والتجربة العملية بمصاحبة الأب ، ويسمون هذا الدور اليوم دور الاختبار والتدريب في المختبرات من مصانع أو معاهد عليا ، ونسبة التأديب والصحبة للأب إشعار بأن المؤدب المصاحب يجب أن يكون مخلصا لتلميذه إخلاص أبيه له ، هذا إذا لم يكن المعلم نفس أبيه . وغني عن البيان ما يرمي إليه نبينا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من حرص على أن تكون التربية في عصمة عن الشذوذ والضلالة ، خشية أن ينشأ ضالا مضلا لمن يقتدي به وهو يقود أهله أو أمّته في مستقبل حياته ، لأن الناشئ هو عنوان الحياة التي يستقبلها بعد أبيه . بعد هذا يقول سيدنا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « ثم اترك له الحبل على الغارب » أي دعه يشق طريق حياته بنفسه بعد أن أرسلت أضواءك عليها وأشرت له بنصائحك ، إلى خيرها وشرّها ، وأمرته بالخير ، ونهيته عن الشر ، وفقا لدين محمّد وتأثرا لرسالته وعملا بقوله تعالى